حجم الخط:

الآيات (12-14)

الآية (12): يقول تعالى: ولكم -أيها الرجال-نصف ما ترك أزواجكم إذا مُتْنَ عن غير ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين. وقد تقدَّم أن الدَّين مقدّم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه بين العلماء. وحُكم أولاد البنين -وإن سفلوا- حُكم أولاد الصلب. ثم قال: ﴿ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إلى آخره، وسواء في الربع أو الثمن الزوجةُ والزوجتان الاثنتان والثلاث والأربع يشتركن فيه.

وقوله: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا: من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق: أنه سئل عن الكلالة؟ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: مَن لا ولَد له ولا والد. فلما ولي عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. رواه ابن جرير وغيره.

وعن ابن عباس، قال: كنت آخر الناس عهدًا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلتُ. قلتُ: وما قلتَ؟ قال الكلالة: من لا ولد له ولا والد وهكذا قال ابن مسعود، وصح من غير وجه عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي وغيرهم، وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة. وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم. وقد حكى الإجماع عليه غير واحد. وقوله: ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أي: مِن أُم. كذا فسَّرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه، ﴿ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ إخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه، أحدِها: أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم. الثاني: أنَّ ذكَرهم وأُنثاهم سواء. الثالث: أنهم لا يرثون إلا إذا كان ميّتهم يُورَث كلالة، فلا يرثون مع أب، ولا جد، ولا ولد، ولا ولد ابن. الرابع: أنهم لا يُزادون على الثلث، وإنْ كثر ذكورهم وإناثهم.

واختلف العلماء في المسألة المشتركة، وهي: زوج، وأم أو جدة، واثنان من ولد الأم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين؟ فعلى قول الجمهور: للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو أُخُوّةُ الأم. وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر، فأعطى الزوج النصف، والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حمارًا! ألسنا من أم واحدة؟ فشرَّك بينهم. صح التشريك عنه وعن عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس. وبه يقول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وغيرهم. وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه.

وكان علي بن أبي طالب لا يُشرّك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين والحالة هذه، لأنهم عصبة. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري، وهو المشهور عن ابن عباس، وهو مذهب الشعبي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، والإمام أحمد، ويحيى بن آدم، وداود بن علي الظاهري، وغيرهم، واختاره ابن اللبَّان الفرَضي في كتابه «الإيجاز».

وقوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ أي: لتكن وصيته على العدل، لا على الإضرار والجور والحَيف، بأن يحرم بعض الورثة، أو ينقصه، أو يزيده على ما قدَّرَ الله له من الفريضة، فمتى سعى في ذلك كان كمن ضادَّ الله في حكمته وقسمته.

وروى الطبري والنسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفًا: «الضرار في الوصية من الكبائر».

ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث: هل هو صحيح أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يصح لأنه مظنّة التهمة. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله قال: «إن الله قد أعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقَّه، فلا وَصِيَّة لِوَارِثٍ» [رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الألباني]؛ وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، والقول القديم للشافعي.

وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز. وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه. واحتج بأنّ رَافع بن خَدِيج أوصى ألا تُكْشَف الفَزَارية عما أغْلقَ عليه بابها. قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة، [قال: ثم استحسن فقال يجوز إقراره بالوديعة والبضاعة والمضاربة][1]، وقد قال النبي : «إياكم والظنَّ، فإن الظَنَّ أكذبُ الحديث» [متفق عليه] وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا [النساء:58] فلم يخص وارثًا ولا غيره. انتهى ما ذكره. فمتى كان الإقرارُ صحيحًا مطابقًا لما في نفس الأمر جَرَى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلةً ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ .

الآية (13-14): أي: هذه الفرائض والمقادير -التي جعلها الله للورثة بحسب قُربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه- هي حدود الله، فلا تعتدوها ولا تجاوزوها؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: فيها، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٣ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ أي: لكونه غيَّر ما حكم الله به وضادَّ الله في حُكمه. وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.