حجم الخط:

الآيات (12-18)

الآية (12): ينهى تعالى عن كثير من الظَّنِّ، وهو التهمة والتخوُّن للأهل والأقارب والناس في غير مَحَلِّه؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليُجْتَنَب كثير منه احتياطًا، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إياكم والظن؛ فإن الظن أَكْذَبُ الحديث» [متفق عليه].

﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا أي: على بعضكم بعضًا. والتجسس غالبًا يُطلَق في الشَّر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبًا في الخير؛ كما قال تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال: ﴿ فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [يوسف:87]، وقد يُسْتَعْمَل كلٌّ منهما في الشَّرِّ، كما في الصحيح أن رسول الله قال: «لا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، وكونوا عباد الله إخوانًا» [متفق عليه].

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فيه نهي عن الغيبة، وقد فَسَّرَها الشارع كما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: «ذِكْرُكَ أخاك بما يَكْرَهُ». قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟! قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغْتَبْتَهُ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. والغِيبة محرَّمة بالإجماع، ولا يُسْتَثْنَى من ذلك إلا ما رَجَحَتْ مصلحته؛ كما في الجرح والتعديل، والنصيحة، وما جرى مَجْرَى ذلك. ثم بقيّتها على التحريم الشديد، وقد وَرَدَ فيها الزَّجر الأكيد؛ ولهذا شَبَّهَهَا تعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت؛ كما قال: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ؟! أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا؛ فإن عقوبته أَشَدُّ من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: فيما أَمَرَكم به ونهاكم عنه، فراقِبوه في ذلك واخشوا منه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ على من تاب إليه، ﴿ رَحِيمٌ بمن رَجَعَ إليه، واعتمد عليه. قال جمهور العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يُقلع عن ذلك، ويعزم على ألَّا يعود، وأن يتحلل من الذي يغتابه. وقال آخرون: لا يُشتَرط أن يَتَحَلَّله؛ فإنه إذا أَعْلَمَه بذلك ربَّما تأذى أشدَّ ممَّا إذا لم يَعْلَم بما كان منه، فطريقه إذًا أن يُثْنِي عليه بما فيه في المجالس التي كان يَذُمُّه فيها، وأن يَرُدَّ عنه الغيبة بحَسْبِه وطاقته، فتكون تلك بتلك.

الآية (13): يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجَعَل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجَعَلهم ﴿ شُعُوبًا ، وهي أَعَمُّ من القبائل. وقيل: المراد بالشعوب بطون العَجَم، وبالقبائل بطون العَرَب. فجميع الناس في الشَّرَف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله .

﴿ لِتَعَارَفُوا أي: ليَحْصُل التعارف بينهم، كلٌّ يَرجِع إلى قبيلته.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «إن الله لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم وأموالكم، ولكن يَنْظُرُ إلى قلوبكم وأعمالكم» [رواه مسلم]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم ﴿ خَبِيرٌ بأموركم، فيهدي من يشاء، ويُضِلُّ من يشاء، ويَرحَم من يشاء، ويُعَذِّب من يشاء، ويُفَضِّل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله. وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة مَن ذَهَب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تُشْتَرَط، ولا يُشْتَرَط سوى الدين؛ لقوله: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .

الآية (14-18): يُنكِر تعالى على الأعراب الذين أوَّل ما دخلوا في الإسلام ادَّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يَتَمَكَّن الإيمان في قلوبهم بعد. وقد اسْتُفِيدَ من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أَخَصُّ من الإسلام؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويَدُلُّ عليه حديث جبريل عليه السلام حين سألَ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان[1]، فتَرَقَّى من الأعَمِّ إلى الأخَصِّ، ثم للأخَصِّ منه. وهؤلاء الأعراب المذكورون في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يَسْتَحْكِم الإيمان في قلوبهم، فادَّعوا لأنفسهم مقامًا أعلى ممَّا وصلوا إليه، فأُدِّبُوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة، واختاره ابن جرير.

وإنما قلنا هذا لأن البخاري -رحمه الله- ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان، وليسوا كذلك، ولو كانوا منافقين لَعُنِّفُوا وفُضِحُوا. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ أي: لم تَصِلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا أي: لا يُنْقِصْكم من أجوركم شيئًا. ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: لمن تاب إليه وأناب.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي: إنما المؤمنون الكُمَّل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا أي: لم يَشُكُّوا ولا تَزَلْزَلُوا، بل ثَبَتُوا على حال واحدة، وهي التصديق الـمَحْض.

﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: وَبَذَلُوا مُهَجَهُم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي: في قولهم إذا قالوا: «إنهم مؤمنون»، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة.

﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ أي: أتخبرونه بما في ضمائركم، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: لا يخفى عليه مثقال ذَرَّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ثم قال: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا يعني: الأعراب الذين يَمُنُّونَ بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، يقول الله ردًّا عليهم: ﴿ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ؛ فإنَّ نَفْعَ ذلك إنَّما يعود عليكم، ولله الـمِنَّة عليكم فيه، ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أي: في دعواكم ذلك كما قال النبي للأنصار يوم حنين: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟! وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟! وعالة فأغناكم الله بي؟!» كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ. [رواه البخاري]، ثم كَرَّرَ الإخبار بعِلْمِه بجميع الكائنات، وبَصَرِه بأعمال المخلوقات فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .