الآية (12): اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيًا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة. جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًا. قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ أي: الفهم والعلم والتعبير ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ أي: أمرناه أن يشكر الله عز وجل على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه. ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين؛ لقوله: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ [الروم:44]. قوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي: غني عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا؛ فإنه الغني عما سواه؛ فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه.
الآية (13-14): يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وقد ذكره تعالى بأحسن الذكر؛ فإنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ أي: هو أعظم الظلم. عن ابن مسعود قال: لما نزلت: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام:82] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أيُّنا لم يَلْبس إيمانه بظلم؟! فقال رسول الله ﷺ: «إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾» [متفق عليه].
ثم قَرَنَ بوصيته إياه بعبادة الله وحده البِرَّ بالوالدين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء:23]. وكثيرًا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن، وقال ههنا: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾. قال مجاهد: مشقة وَهْن الولد، وقال قتادة: جهدًا على جهد، وقال عطاء الخراساني: ضعفًا على ضعف. قوله: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين؛ كما قال: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة:233]. ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف:15]. وإنما يذكر تعالى تربيةَ الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا، ليُذكّر الولد بإحسانها المتقدم إليه؛ كما قال: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء:24]؛ ولهذا قال: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر الجزاء.
الآية (15): قوله: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾ أي: إن حَرَصَا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنَّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا، أي: محسنًا إليهما، ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ يعني: المؤمنين ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[سبب النزول]: عن سعد [بن أبي وقاص]، قال: نزلت فيّ أربع آيات. فذكر قصة، وقالت أم سعد: أليس قد أمرك الله بالبر؟! والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فأنزل الله ﱡﭐ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﱠ الآية [العنكبوت:8]. [رواه مسلم].
الآية (16-19): هذه وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾ أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل ﴿ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ﴾ أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إنْ خيرًا فخير، وإن شرًا فشَرّ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء:47]، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة:7-8]، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صَمَّاء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات أو الأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دَقَّت ولطفت وتضاءلت، ﴿ خَبِيرٌ ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم. ثم قال: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، ﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ أي: بحسب طاقتك وجهدك ﴿ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ﴾ علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور. قوله: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ يقول: لا تُعرِضْ بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارًا منك لهم واستكبارًا عليهم، ولكن ألِنْ جانبك، وابسط وجهك إليهم. قال ابن عباس: لا تتكبر فتحقِر عبادَ الله، وتُعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وقال زيد بن أسلم: لا تكَلَّم وأنت مُعرض. وقال إبراهيم النَّخَعِي: يعني بذلك: التشديق في الكلام. والصواب القول الأول. قال ابن جرير: وأصل الصَّعَر: داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تُلفت أعناقها عن رؤوسها، فشبَّه به الرجل المتكبر. قوله: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ﴾ أي: جَذِلًا متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ أي: مختال معجب في نفسه، فخور: أي على غيره. قوله: ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ أي: امش مشيًا مقتصدًا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين. قوله: ﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴾ أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ قال مجاهد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي: غاية مَنْ رفع صوته أنه يُشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى. وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» [متفق عليه]. فهذه وصايا نافعة جدًا، وهي من قَصص القرآن العظيم عن لقمان الحكيم.