حجم الخط:

الآيات (12-19)

الآية (12-13): ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أي: يوم القيامة، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ أي: في دنياهم، يَتَمَتَّعُون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام، خَضْمًا وقَضْمًا[1]، وليس لهم هِمَّة إلا في ذلك. ولهذا ثبت في الصحيح: «المؤمن يأكل في مِعًي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» [متفق عليه]. ثم قال: ﴿ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ أي: يوم جزائهم.

وقوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: مكة، ﴿ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله ، وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله عز وجل قد أَهْلَكَ الأمم الذين كَذَّبوا الرُّسُل قبله بسببهم، وقد كانوا أشدَّ قوة من هؤلاء، فماذا ظَنُّ هؤلاء أن يَفْعَلَ الله بهم في الدنيا والأخرى؟! فإنْ رَفَع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة، فإنّ العذاب يُوَفَّر على الكافرين به في مَعَادهم، ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:20]. وقوله: ﴿ مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أي: الذين أخرجوك من بين أَظهُرهم [سبب النزول]: عن ابن عباس: أن النبي لما خرج من مكة إلى الغار أراه قال: التفت إلى مكة -وقال: «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليَّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك، فأعدى الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول[2] الجاهلية، فأنزل الله على نبيه : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ . [أخرجه ابن جرير، وأخرج ابن عبد البر في التمهيد شقه الأول، وقال: من أصح الآثار].

الآية (14-15): ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي: على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، بما أَنزَل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جَبَلَه الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ؟! أي: ليس هذا كهذا.

ثم قال: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قال عكرمة: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ أي: نَعْتُها ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني غير مُتَغَيِّر. والعرب تقول: أسِنَ الماء، إذا تَغَيَّر ريحُه. ﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة ﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حَسَنَة الـمَنْظَر والطَّعْم والرائحة والفِعْل، ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات:47]، ﴿ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [الواقعة:19]، ﴿ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:46]. ﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى أي: وهو في غاية الصفاء، وحُسْن اللون والطَّعم والريح. وفي الصحيح: «إذا سَأَلْتُم الله فاسْأَلُوه الفِرْدَوْس، فإنه أَوسَط الجنة وأَعْلَى الجنة، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة، وفوقه عَرْش الرحمن» [رواه البخاري].

﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كقوله: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ [الدخان: 55]. وقوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي: مع ذلك كله.

وقوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ أي: أهؤلاء الذين ذَكَرْنا مَنْزِلَـتَهم من الجنة كمن هو خالدٌ في النار؟! ليس هؤلاء كهؤلاء؛ أي: ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا أي: حارًّا شديد الحر، لا يُسْتَطَاع، ﴿ فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ أي: قَطَّع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذًا بالله من ذلك.

الآية (16-19): يقول تعالى مُخْبِرًا عن المنافقين في بَلَادَتهم وقِلَّة فَهْمهم، حيث كانوا يَجْلِسون إلى رسول الله ، ويستمعون كلامه ولا يفهمون منه شيئًا، فإذا خَرَجوا من عنده ﴿ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الصحابة: ﴿ مَاذَا قَالَ آنِفًا أي: الساعة؛ لا يَعقِلون ما يُقَال، ولا يَكْتَرِثُون له. قال الله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ أي: فلا فَهْم صحيح، ولا قَصْد صحيح. ثم قال: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى أي: والذين قَصَدُوا الهداية وَفَّقَهم الله لها فهداهم إليها، وثَبَّتَهم عليها وزَادَهم منها، ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ أي: أَلْـهَمَهم رُشْدَهم. وقوله: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً أي: وهم غافلون عنها، ﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أي: أمارات اقترابها؛ كقوله تعالى: ﴿ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [النجم: 57]، وكقوله: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1]، وقوله: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: 1] فبعثةُ رسول الله من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرُّسُل الذي أَكْمَلَ الله به الدين، وأقام به الحجة على العالمين. وقد أخبر بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يُؤْتَهُ نبي قبله. وقال الحسن البصري: بعثة محمد من أشراط الساعة. وهو كما قال؛ ولهذا جاء في أسمائه عليه السلام أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يُحشَر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي. وعن سهل بن سعد قال: رأيتُ رسول الله قال بأصبعيه هكذا، بالوسطى والتي تليها: «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين» [رواه البخاري]. ثم قال تعالى: ﴿ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ أي: فكيف للكافرين بالتَّذَكُّر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ [الفجر:23]، ﴿ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ:52].

وقوله: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يُنَافي كونه آمِرًا بعِلم ذلك؛ ولهذا عَطَف عليه بقوله: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . عن عبد الله بن سرجس قال: أتيتُ رسول الله فأَكَلْتُ معه من طعامه، فقلتُ: غَفَرَ اللهُ لك يا رسول الله. فقال: «ولك». فقال القومُ: استغفر لك رسولُ اللهِ؟! فقال: نعم، ولكم. ثمَّ تلا هذه الآيةَ: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ أي: يعلم تَصَرُّفَكم في نهاركم ومُسْتَقَرَّكم في ليلكم؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. وهذا القول ذَهَب إليه ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير. وعن ابن عباس: مُتَقَلَّبَكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة. والأول أولى وأَظْهَر، والله أعلم.