الآية (12-14): ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ ﴾ أي: جهنم ﴿ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ يعني: في مقام الـمَحْشَر. قال السُّدي: من مسيرة مائة عام.
﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ أي: حَنَقًا عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ﴿٧﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ [الملك:7-8]، أي: يكاد يَنفَصِل بعضها من بعض، من شدة غَيْظِها على مَن كَفَر بالله. عن ابن عباس قال: «إن الرجل لَيُجَرُّ إلى النار، فَتَنْزَوِي وتَنْقَبِضُ بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لكِ؟ قالت: إنه يَستَجير مني. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل لَيُجَرُّ إلى النار، فيقول: يا ربِّ، ما كان هذا الظَنُّ بك! فيقول: فما كان ظَنُّك؟ فيقول: أن تَسَعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليُجَرُّ إلى النار، فتَشْهَقُ إليه النار شُهُوقَ البَغْلَة إلى الشعير، وتَزْفُرُ زَفْرَةً لا يَبْقَى أحدٌ إلا خاف» وهذا إسناد صحيح.
وقوله: ﴿ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا ﴾ قال عبد الله بن عمرو: مثل الزُّجِّ في الرمح، أي: من ضِيقه. ﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ قال أبو صالح: يعني: مُكَتّفين، ﴿ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾ أي: بالوَيْل والـحَسْرَة والـخَيْبَة، ﴿ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ قال ابن عباس: لا تدعوا اليوم وَيْلًا واحدًا، وادعوا وَيْلًا كثيرًا.
وقال الضحاك: الثُّبُور: الهلاك. والأظهَر: أن الثُّبُور يَجْمعُ الهلاكَ والويلَ والـخَسَار والدَّمَار؛ كما قال موسى لفرعون: ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ [الإسراء:102]، أي: هَالِكًا.
الآية (15-16): يقول تعالى: يا محمد، هذا الذي وَصفْنَاه من حال أولئك الأشقياء، الذين يُحشَرون على وجوههم إلى جهنم، فتَتَلَقَّاهم بوجه عَبُوس وتَغَيُّظٍ وزَفِير، ويُلقَون في أماكنها الضيقة مقرَّنين، لا يستطيعون حراكًا، ولا انتصارًا ولا فَكَاكًا ممَّا هم فيه، أهذا خير أم جنة الخلد التي وَعَدَها الله المتقين من عباده، التي أَعَدَّها لهم، وجَعَلَها لهم جزاءً على ما أطاعوه في الدنيا، وجَعَل مآلهم إليها. ﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ﴾ من الملاذِّ: من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، ممَّا لا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَر على قلب أحد. وهم في ذلك خالدون أبدًا دائمًا سَرْمدًا بلا انقطاع ولا زوال، ولا انقضاء، لا يبغون عنها حِوَلًا.
وهذا مِن وَعْد الله الذي تَفَضَّل به عليهم، وأَحْسَنَ به إليهم، ولهذا قال: ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴾ أي لا بدَّ أن يقع وأن يكون، كما حكاه ابن جرير عن بعض علماء العربية أن معنى قوله: ﴿ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴾ أي: وَعْدًا واجبًا. وقال ابن عباس: ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴾ يقول: سَلُوا الذي وَعدْتُكم -أو قال: وعدناكم- نُنْجِزْ.
الآية (17-19): يقول تعالى مخبرًا عمَّا يَقَع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم مَن عبدوا من دون الله، من الملائكة وغيرهم، فقال: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ قال مجاهد: عيسى والعُزَير والملائكة، ﴿ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أي: فيقول الرَّبُّ تبارك وتعالى للمعبودين: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عَبَدُوكم من تِلقَاء أنفسهم، من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ الآية [المائدة:116]. ولهذا قال تعالى مخبرًا عمَّا يُجيب به المعبودون يوم القيامة: ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ قرأ الأكثرون بفتح «النون» من قوله: ﴿ نَتَّخِذَ ﴾ أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواكَ، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أَمْرِنا ولا رضانا ونحن بُرَآء منهم ومن عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٤٠﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾ الآية [سبأ:40-41].
وقرأ آخرون بضم النون «نُتَّخَذَ»، أي: ما ينبغي لأحد أن يعبدنا، فإنَّا عبيدٌ لك، فُقراء إليك. وهي قريبة المعنى من الأولى.
﴿ وَلَٰكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ ﴾ أي: طال عليهم العمر ﴿ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ ﴾، أي: نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رُسُلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك. ﴿ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ قال ابن عباس: أي هَلْكَى. وقال الزهري: أي لا خير فيهم.
قال الله تعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ أي: فقد كَذَّبَكم الذين عَبَدْتُم فيما زَعَمْتم أنهم لكم أولياء، وأنكم اتَّخَذْتموهم قُربانًا يقرِّبونكم إليه زُلفى.
وقوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا ﴾ أي: لا يقدرون على صَرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم، ﴿ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ﴾ أي: يُشْرِك بالله ﴿ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾.
الآية (20): يقول تعالى مخبرًا عن جميع من بَعَثَه من الرسل الـمُتَقَدِّمِين: إنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التَّغذِّي به ﴿ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ للتَّكَسُّب والتجارة، وليس ذلك بمنافٍ لحالهم وَمَنْصِبِهِمْ؛ فإن الله جَعَل لهم من السِّمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة القاهرة، ما يَسْتَدِلُّ به كُلُّ ذي لُبٍّ سليم، وبصيرة مستقيمة، على صِدْق ما جاؤوا به من الله عز وجل.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم مَن يُطيع ممَّن يَعصِي؛ ولهذا قال: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ أي: بمن يَسْتَحِقُّ أن يُوحَى إليه، ومن يَستَحِقُّ أن يَهدِيَه الله لِـمَا أَرسَلَهم به، ومن لا يَستَحِقُّ ذلك. وقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ قال: يقول الله: لو شئتُ أن أَجْعَلَ الدنيا مع رُسُلي فلا يُخَالَفُون، لَفَعَلْتُ، ولكنِّي قد أَرَدْتُ أن أَبتَلي العبادَ بهم، وأَبْتَلِيهم بهم. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﷺ: «يقول الله: إني مبتليك، ومبتل بك».