الآية (12): يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة، وحالهم حين عاينوا البعث، وقاموا بين يدي الله حقيرين ذليلين، ناكسي رؤوسهم، أي: من الحياء والخجل، يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ أي: نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك؛ كما قال تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ [مريم:38]. وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك:10]. وهكذا هؤلاء يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا ﴾ أي: إلى الدار الدنيا ﴿ نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ أي: قد أيقنَّا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارًا يكذّبون آيات الله ويخالفون رسله؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الأنعام:27-28].
الآية (13): قال ههنا: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾ [يونس:99]. ﴿ وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: من الصنفين، فدَارُهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك.
الآية (14): ﴿ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ﴾ أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له؛ إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، ﴿ إِنَّا نَسِينَاكُمْ ﴾ أي: سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئًا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة؛ كما قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ﴾ [الجاثية:34]. قوله: ﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: بسبب كفركم وتكذيبكم؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾ جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴿٢٩﴾ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ [النبأ:24-30].
الآية (15-16): يقول تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: إنما يصدق بها ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ أي: استمعوا لها وأطاعوها قولًا وفعلًا ﴿ وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي: عن اتباعها والانقياد لها، كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر:60]. قال تعالى: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ يعني بذلك: قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفُرش الوطيئة. قال مجاهد والحسن في قوله تعالى: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ ﴾: يعني بذلك: قيام الليل. وعن أنس وعكرمة: هو الصلاة بين العشاءين. وعن أنس أيضًا: هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد. وقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة، وصلاة الغداة في جماعة. ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ أي: خوفًا من وبال عقابه، وطمعًا في جزيل ثوابه ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومُقدَّم هؤلاء وسيّدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله ﷺ. عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ فقال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟! الصوم جُنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل». ثم قرأ: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ [رواه النسائي والترمذي، وصححه الألباني].
الآية (17): قوله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أي: فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لَمَّا أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب جزاءً وفاقًا؛ فإن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر. عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «قال تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [متفق عليه].
الآية (18): يخبر تعالى عن عدله أنه لا يساوي في حُكمه يوم القيامة من كان مُؤمنًا بآياته متبعًا لرسله، بمن كان فاسقًا، أي: خارجًا عن طاعة ربه مكذبًا لرُسُله إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية:21]؛ وقال: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ [ص:28]، ولهذا قال ههنا: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾ أي: عند الله يوم القيامة. وقد ذكر عطاء بن يسار والسُّدِّي أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعقبة بن أبي مُعَيط.
الآية (19-20): قال: ﴿ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ أي: صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها، وهي الصالحات ﴿ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ ﴾ أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية ﴿ نُزُلًا ﴾ أي: ضيافة وكرامة ﴿ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٩﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا ﴾ أي: خرجوا عن الطاعة ﴿ فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ﴾ كقوله: ﱡﭐ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﱠ [الحج:22]. قال الفضيل بن عياض: والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم. ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا.