حجم الخط:

الآيات (12-22)

الآية (12): قال بعض النُّحاة في توجيه قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ : «لا» ههنا زائدة. وقال بعضهم: زِيدَت لتأكيد الجحد. حكاهما ابن جرير وردّهما، واختار أن «منعك» مُضمَّن معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرّك أن لا تسجد إذ أمرتك، ونحو هذا. وهذا القول قوي حسن. وقول إبليس لعنه الله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ من العذر الذي هو أكبر من الذنب! كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول! يعني لعنه الله: وأنا خيرٌ منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خُلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه، وهو الطين! فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص قوله تعالى: ﴿ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:72]، فشذّ من بين الملائكة بتَرْك السجود؛ فلهذا أُبْلِسَ من الرحمة، أي: أُويس من الرحمة، فأخطأ قَبَّحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا؛ فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة؛ ولهذا خان إبليسَ عنصرُه، ونفع آدمَ عنصرُه في الرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة. وعن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس [رواه ابن جرير، وصحح إسناده ابن كثير].

الآية (13-15): يقول تعالى مخاطبًا لإبليس بأمر قدَري كوني: ﴿ فَاهْبِطْ مِنْهَا أي: بسبب عصيانك لأمري، وخروجك عن طاعتي. ﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائدًا على المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى. ﴿ فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده. فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النَّظِرَة إلى يوم الدين، فقال: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ أجابه تعالى إلى ما سأل؛ لِما له في ذلك من الحكمة والمشيئة التي لا تُخالَف ولا تمانَع، ولا مُعَقِّبَ لحكمه وهو سريع الحساب.

الآية (16): يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس إلى يوم يبعثون، واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: ﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: كما أغويتني. قال ابن عباس: كما أضللتني. وقال غيره: كما أهلكتني. لأقعدن لعبادك -الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه- على صراطك المستقيم؛ أي: طريق الحق وسبيل النجاة، فلأُضِلّنّهُم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي. وقال بعض النحاة: الباء ههنا قسمية؛ كأنه يقول: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم. قال مجاهد: ﴿ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني: الحق.

عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟». قال: «فعصاه وأسلم». قال: «وقعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَلِ؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، [فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ] النفس والمال، فتقاتل فتُقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال؟». قال: «فعصاه، فجاهد». قال رسول الله : «فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقًا على الله، عز وجل، أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقًا على الله أن يدخله الجنة» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

الآية (17): قال ابن عباس: ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أُشكّكُهم في آخرتهم، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أُرغّبهم في دنياهم، ﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ أُشبّه عليهم أمر دينهم، ﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ أُشهِّي لهم المعاصي. وقال قتادة: أتاهم ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ من أمر الدنيا فزيَّنها لهم ودعاهم إليها، ﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ مِن قِبل حسناتهم بَطَّأهم عنها، ﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ زين لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها، وأمرهم بها. أتاك يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وقال مجاهد: ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ، ﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ : من حيث يبصرون. ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ، ﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ : حيث لا يبصرون. واختار ابن جرير أن المراد جميع طُرق الخير والشر؛ فالخير يصدُّهم عنه، والشر يحسّنه لهم. وقال ابن عباس: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قال: موحدين. عن ابن عمر قال: لم يكن رسول الله يدَع هذه الدعوات حين يصبح وحين يمسي: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمِن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدَيّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي» [رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني] قال وكيع: «من تحتي» يعني الخسف.

الآية (18): أكد تعالى- عليه اللعنة والطردَ والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله: ﴿ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا . قال ابن جرير: أما «المذؤوُم» فهو المعيب. «والمدحور»: المُقْصَى. وهو الـمُبعَد المطرود. وقال ابن عباس: ﴿ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا قال: صغيرًا مقيتًا. وقوله: ﴿ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ كقوله تعالى: ﴿ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [الإسراء:63].

الآية (19-21): يذكر تعالى أنه أباح لآدم عليه السلام ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والخديعة والوسوسة ليُسلَبا ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن، وقال كذبًا وافتراء: ما نهاكما ربكما عن أكل هذه الشجرة إلا لئلا تكونا ملَكين خالدين ههنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلك، كقوله: ﴿ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ [طه:120] وقوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أي: لئلا تكونا ملكين كقوله تعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176]. ﴿ وَقَاسَمَهُمَا أي: حلف لهما بالله: ﴿ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ؛ فإني من قَبْلكما ههنا، وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين، أي: حلف لهما على ذلك حتى خدعهما.

الآية (22): قال مجاهد: جعلا ﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، قال: كهيئة الثوب.