الآية (12-15): قوله: ﴿ يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ أي: تَعلَّم الكتاب ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي: بجدّ وحرص واجتهاد، ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ أي: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حَدَثٌ. قوله: ﴿ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ﴾ قال ابن عباس: ورحمة من عندنا لا يقدر عليها غيرنا. والظاهر من هذا السياق أن: ﴿ وَحَنَانًا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ أي: وآتيناه الحكم وحنانًا، ﴿ وَزَكَاةً ﴾ أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة؛ فالحنان هو المحبة في شفقة وميل. وقوله: ﴿ وَزَكَاةً ﴾ معطوف على ﴿ وَحَنَانًا ﴾ فالزكاة الطهارة من الدَّنس والآثام والذنوب ﴿ وَكَانَ تَقِيًّا ﴾ ذا طُهْرٍ، فلم يَهِمّ بذنب. قوله: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتُقىً، عطف بِذِكْر طاعته لوالديه وبِرِّهِ بهما، ومجانبته عقوقهما، قولًا وفعلًا وأمرًا ونهيًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾. ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: ﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾ أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.
الآية (16): لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليه السلام منها من غير أب؛ فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة؛ ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر، فقال: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود عليه السلام، وكانت من بيتٍ طاهر طيّب في بني إسرائيل. فلما أراد الله تعالى أن يُوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام ﴿ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴾ أي: اعتزلتهم وتنحَّت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس.
الآية (17-20): ﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا ﴾ أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ أي: على صورة إنسان تام كامل. قوله: ﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ أي: لمَّا تَبَدَّى لها الملك في صورة بشر، وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافَتْهُ وظنَّت أنه يريدها على نفسها، فقالت: ﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ أي: إن كنت تخاف الله. ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ أي: فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلًا ما حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك؛ أي: بعثني إليك ﴿ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴾. قوله: ﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ ﴾ أي: فتعجَّبَتْ مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟! أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور؛ ولهذا قالت: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾ والبغيّ: هي الزانية.
الآية (21): ﴿ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل، ولا يوجد منك فاحشة؛ فإنه على ما يشاء قادر؛ ولهذا قال: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوَّع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذَكَر ولا أنثى، وخلق حواء من ذَكَر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذَكَر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمَّت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، فلا إله غيره ولا رب سواه. قوله: ﴿ وَرَحْمَةً مِنَّا ﴾ أي: ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيًّا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران:45، 46] أي: يدعو إلى عبادة ربه في مَهْدِه وكُهُولَتِه.
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ يُحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدّر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد ﷺ وأنه كنَّى بهذا عن النفخ في فرجها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ﴾ [التحريم:12].
الآية (22): يقول تعالى مخبرًا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى. ثم اختلف المفسـرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن.
الآية (23): ﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ أي: فاضطرَّها وألجأها الطلق إلى جِذْع نخلة في المكان الذي تنحَّت إليه. والمشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى: أنه ببيت لحم. وقوله تعالى إخبارًا عنها: ﴿ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة؛ فإنها عرفت أنها ستُبتَلى وتُمتَحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدّقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية! فقالت: ﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا ﴾ أي: قبل هذا الحال ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴾ أي: لم أُخلق ولم أَكُ شيئًا. قاله ابن عباس. وقال قتادة: أي: شيئًا لا يُعرف، ولا يُذكر، ولا يُدرَى من أنا.
الآية (24-25): قرأ بعضهم: (مَن تحتَها) بمعنى: الذي تحتها. وقرأ آخرون: ﴿ مِنْ تَحْتِهَا ﴾ على أنه حرف جر. واختلف المفسـرون في المراد بذلك من هو؟ فقال ابن عباس: جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك، وقال مجاهد: عيسى ابن مريم. واختاره ابن جرير.
وقوله: ﴿ أَلَّا تَحْزَنِي ﴾ أي: ناداها قائلًا: لا تحزني، ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾؛ عن البراء بن عازب قال: الجدول. وكذا قال ابن عباس: السريّ: النهر. والظاهر أنها لم تكن في إبَّان ثمرها، ولهذا امتنَّ عليها بذلك؛ أن جعل عندها طعامًا وشرابًا، فقال: ﴿ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾.