الآية (121-122)[1]
الآية (123-126): يُخبر تعالى عمَّا تَوعَّد به فرعونُ لعنه الله السحرةَ لَـمَّا آمنوا بموسى عليه السلام وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ أي: إنّ غَلَبَهُ لكم في يومكم هذا إنمَّا كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك؛ كقوله في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ﴾ [طه:71] وهو يعلم وكلُّ من له لُبٌّ أن هذا الذي قاله من أَبطَل الباطل؛ فإن موسى عليه السلام بمجرَّد ما جاء من «مَدْين» دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحُجَج القاطعة على صِدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن مُلكه ومعاملة سلطنته، فجَمَع سحرةً متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممَّن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدَهم بالعطاء الجزيل. وقد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدُّم عند فرعون، وموسى عليه السلام لا يعرف أحدًا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تسَتُّرًا وتدليسًا على رَعَاع دولته وجَهَلتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ [الزخرف:54]؛ فإن قومًا صَدَّقوه في قوله: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴾ [النازعات:24] من أجْهَل خلق الله وأضلِّهم!!
وقوله: ﴿ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ أي: تجتمعوا أنتم وهو، وتكون لكم دولة وصولة، وتُخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرّف لكم، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: ما أصنع بكم.
ثم فسَّر هذا الوعيد بقوله: ﴿ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ﴾ يعني: يقطع يد الرّجُل اليمنى ورجْله اليسرى أو بالعكس، ﴿ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه:71] أي: على الجذوع.
وقول السحرة: ﴿ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ﴾ أي: قد تحقَّقنا أنَّا إليه راجعون، وعذابه أشدّ من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرَنّ اليوم على عذابك لِنَخْلُصَ من عذاب الله؛ ولهذا قالوا: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ أي: عُمَّنَا بالصبر على دينك، والثبات عليه، ﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ أي: متابعين لنبيك موسى عليه السلام. وقالوا لفرعون: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴿٧٣﴾ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿٧٤﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ ﴾ [طه:72-75] فكانوا في أول النهار سَحَرة، فصاروا في آخره شُهداء برَرَة!
الآية (127-129): يُخبِر تعالى عمَّا تمالَأ عليه فرعون ومَلَؤُه، وما أضمروه لموسى عليه السلام وقومه من الأذى والبغضة: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ أي: لفرعون ﴿ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ ﴾ أي: أتدَعُهُم ﴿ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: يفسدوا رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك! يا لله العجب! صار هؤلاء يُشفِقون من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون؛ ولهذا قالوا: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾، قال بعضهم: «الواو» هنا حالية، أي: أتذَرُهُ وقومَهُ يفسدون وقد تَرَكَ عبادتك؟! وقال آخرون: هي عاطفة، أي: أَتـَـدَع موسى يصنع هو وقومه من الفساد ما قد أقررتهم عليه، وعلى تَرْكِه آلـهَتَك. وقرأ بعضهم: «إِلَاهَتَكَ» أي: عبادتك، ورُوي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره. وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السرِّ.
فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾، وهذا أمر ثانٍ بهذا الصنيع، وقد كان نكَّل بهم قبل ولادة موسى عليه السلام حَذَرًا من وجوده، فكان خلاف ما رَامَهُ وضدَّ ما قَصَدَه فرعون. وهكذا عُومِل في صنيعه أيضًا لَـمَّا أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد: أعزَّهم الله وأذَلَّهُ، وأرغم أنفه، وأغرقه وجنوده.
ولَـمَّا صَمَّم فرعون على ما ذكره من الْـمسَاءَةِ لبني إسرائيل ﴿ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ﴾، ووَعَدَهم بالعاقبة، وأن الدار ستصير لهم في قوله: ﴿ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٢٨﴾ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ أي: قد جرى علينا مثل ما رأيتَ من الهوان والإذلال من قبل ما جئتَ يا موسى، ومن بعد ذلك. فقال مُنَـبِّهًا لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه في ثاني الحال: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾، وهذا تحضيض لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم.
الآية (130): يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ أي: اختبرناهم وامتحَنَّاهُم وابتليناهم ﴿ بِالسِّنِينَ ﴾ وهي سِنِي الجوع بسبب قلة الزروع، ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ قال مجاهد: وهو دون ذلك؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾.