حجم الخط:

الآيات (122-127)

الآية (122): ثم ذكر تعالى حال السعداء الأتقياء، وما لهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: صَدّقَت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أُمروا به من الخيرات، وتركوا ما نُهوا عنه من المنكرات ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أي: يصرّفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أي: بلا زوال ولا انتقال ﴿ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلومٌ حقيقةً أنه واقع لا محالة، ولهذا أكّده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر وهو قوله: ﴿ حَقًّا . قوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أي: لا أحد أصدق منه قولا وخبرًا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

الآية (123): [سبب النزول]: قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم؛ نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا الآية. فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان. والمعنى في هذه الآية: أنّ الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كُلّ من ادَّعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه هو المُحِقّ سُمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه، واتباع ما شرعه على ألْسِنة الرسل الكرام؛ ولهذا قال بعده: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ شَقّ ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله : «سَدِّدوا وقاربوا؛ فإن في كل ما يُصاب به المسلم كفارة، حتى الشوكة يُشَاكها، والنَّكْبَة يَنْكُبُهَا» [رواه مسلم]. وروى ابن جرير عن الحسن: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ، قال: الكافر، ثم قرأ: ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17]. قوله: ﴿ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا قال ابن عباس: إلا أن يتوب فيتوب الله عليه. والصحيح أن ذلك عامٌّ في جميع الأعمال، لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير، والله أعلم.

الآية (124): لما ذكر الجزاء على السيئات، وأنه لا بد أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا -وهو الأجود له- وإما في الآخرة -والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة- شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده ذُكْرَانهم وإناثهم، بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النّقرة التي في ظهر نواة التمرة.

الآية (125): أي: أخلص العمل لربه عز وجل فعمل إيمانًا واحتسابًا ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما؛ أي: يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب: أن يكون متابعًا للشريعة. فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد. فمن فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يُراؤون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالًّا جاهلًا. ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين. ﴿ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة، والحنيف: هو المائل عن الشرك قصدًا، أي: تاركًا له عن بصيرة، ومُقبل على الحق بكُلّيته، لا يصدّه عنه صادٌّ، ولا يردّه عنه رادّ. ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يُقتدى به، حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخُلَّة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه.

الآية (126): ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقّب لما حكم، ولا يُسأل عما يفعل، لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يَعْزُب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للنواظر وما توارى.

الآية (127): عن عائشة رضي الله عنها-: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ إلى قوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، قد شَرَِكتْهُ في ماله، حتى في العَذْق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوِّجها رجلًا، فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية [رواه البخاري ومسلم]. والمقصود: أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة لا يكون للرجل فيها رغبة، لِدَمَامَتِها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله عز وجل أن يَعْضُلَها عن الأزواج، خشية أن يَشْرَكوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة، فيُلقِي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهَوِيَها تَزَوَّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها. فَحَرّم الله ذلك ونهى عنه. وقال في قوله: ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ : كانوا في الجاهلية لا يورِّثون الصغار ولا البنات؛ وذلك قوله: ﴿ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ، فنهى الله عن ذلك، وبيَّن لكل ذي سهم سهمه، فقال: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء:11] صغيرًا أو كبيرًا. قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ : كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتَها واستأثرتَ بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فانكِحْها واستأثِر بها. ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا تهييجًا على فعل الخيرات وامتثالًا للأوامر، وأن الله عز وجل عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمَّه.