الآية (123): أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلمَّا فَرَغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهَّز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وقام بالأمر بعده خليفته أبو بكر رضي الله عنه، فوطَّد القواعد، وثبت الدعائم، ورد أهل الردة إلى الإسلام. وكان تمام الأمر على يدي ولي عهده الفاروق عمر بن الخطاب، ثم لَـمَّا مات شهيدًا أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَأُمِدَّتْ في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فكُلَّما عَلَوا أمّة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العُتاة الفجَّار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ﴾.
وقوله: ﴿ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ أي: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم؛ فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوه الكافر؛ كقوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة:54]، وقوله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح:29].
وقوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ أي: قاتلوا الكفار، وتوكَّلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إن اتقيتموه وأطعتموه. وهكذا الأمر لَـمَّا كانت القرون الثلاثة -الذين هم خير هذه الأمة- في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى؛ لم يزالوا ظاهرين على عدوِّهم، ولم تزَل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سَفال وخَسَار، ثم لَـمَّا وقَعَت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طَمِع الأعداء في أطراف البلاد، فأخذوا من الأطراف بلدانًا كثيرةً، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد. فكلمَّا قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله فَتَح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله.
الآية (124-125): يقول تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ فمن المنافقين ﴿ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ﴾؟ أي: يقول بعضهم لبعض: أيُّكم زادته هذه السورة إيمانًا؟ قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص؛ كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد.
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ أي: زادتهم شكًّا إلى شكّهم، ورَيبًا إلى رَيبِهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء:82]، وهذا من جملة شقائهم: أن ما يهدي القلوب يكون سببًا لضلالهم ودمارهم؛ كما أن سيئ المزاج لو غُذّي بما غُذّي به لا يزيده إلا خبالًا ونقصًا.
الآية (126-127): يقول تعالى: أَوَلا يرى هؤلاء المنافقون ﴿ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ ﴾ أي: يُخْتَبَرُون ﴿ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ أي: لا يتوبون من ذنوبهم السالفة، ولا هم يذَّكَّرون فيما يُستقبل من أحوالهم. قال مجاهد: يُختَبَرون بالسَّنة والجوع. وقال قتادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين.
وقوله: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾، هذا أيضًا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أُنزلت سورة على رسول الله ﷺ ﴿ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ أي: تَلَفَّتُوا، ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ أي: تولَّوا عن الحق وانصرَفوا عنه، وهذا حالهم في الدين لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يُقيمونه.
وقوله: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف:5]، ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ أي: لا يفهمون عن الله خطابه، ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه، بل هم في شَدَهٍ عنه ونُفور منه، فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.
الآية (128-129): يقول تعالى[1] مُمتنًّا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة:129]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي: منكم وبِلُغَتِكُم؛ كما قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولًا منَّا، نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته. وقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي: يعزُّ عليه الشيء الذي يُعْنِتُ أمّته ويشقُّ عليها، وفي الصحيح: «إن هذا الدين يُسْرٌ» [رواه البخاري]، وشريعته كلها سهلة سَمْحة كاملة، يسيرة على من يسَّرها الله تعالى عليه. ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم.
وقوله: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء:215]. ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ أي: تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهَّرة الكاملة الشاملة ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ أي: الله كافيَّ، لا إله إلا هو عليه توكلت؛ كما قال تعالى: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل:9]. ﴿ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم الذي هو سَقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وَقَدَرُه نافذٌ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.
آخر سورة براءة، والحمد لله وحده.