حجم الخط:

الآيات (126-135)

الآية (126): ﴿ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ أي: لَـمَّا أَعرَضْتَ عن آيات الله، وعامَلْتها معاملةَ مَن لم يَذكُرها، بعد بلاغها إليك؛ تناسيتها وأَعرَضْتَ عنها وأَغْفَلْتَها، كذلك نُعامِلُك اليوم معاملةَ من نَسِيَكَ، ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا [الأعراف:51] فإن الجزاء من جنس العمل.

أما نسيان لفظ القرآن مع فَهْم معناه والقيام بمُقتَضَاه، فليس داخلًا في هذا الوعيد الخاص.

الآية (127): هكذا نجازي المسرفين المكذِّبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [الرعد:34]، ولهذا قال: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ أي: أشدُّ ألَـمًا من عذاب الدنيا، وأدْوَم عليهم، فهم مخلَّدون فيه.

الآية (128-130): يقول تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها، يمشون فيها، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ أي: العقول الصحيحة والألباب المستقيمة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى أي: لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يُعَذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل الـمُسَمَّى الذي ضَرَبَه الله تعالى لهؤلاء المكذِّبين إلى مدة مُعيَّنة، لجاءهم العذاب بَغتةً؛ ولهذا قال لنبيِّه مُسلِّيًا له: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ أي: من تكذيبهم لك، ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني: صلاة الفجر، ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يعني: صلاة العصر، كما جاء عن عمارة بن رُوَيْبة قال: سمعت رسول الله يقول: «لن يَلجَ النارَ أحد صلى قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها» [رواه مسلم]. ﴿ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ أي: من ساعاته فتَهَجَّدْ به. وحَمَلَه بعضهم على المغرب والعشاء، ﴿ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ في مقابلة آناء الليل.

﴿ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ كما قال تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى:5]. وفي الصحيح: «يقول الله: يا أهلَ الجنة، فيقولون: لبَّيْك ربَّنا وسَعْدَيك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقك؟! فيقول: إني أُعطِيكم أفضلَ من ذلك. فيقولون: وأي شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أَسخَط عليكم بعده أبدًا» [متفق عليه].

الآية (131-132): يقول تعالى لنبيه محمد : لا تنظر إلى هؤلاء الـمُتْرَفِين وأشباههم ونُظَرائِهم، وما هم فيه من النِّعَم، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حَائلة، لِنَختَبِرَهم بذلك. وقال مجاهد: ﴿ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ يعني: الأغنياء، فقد آتاك الله خيرًا ممَّا آتاهم، كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴿٨٧ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر:87-88]، وكذلك ما ادَّخَرَه الله تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يُحَدّ ولا يُوصَف، كما قال تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى:5] ولهذا قال: ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ فكان صلوات الله وسلامه عليه أزهدَ الناس في الدنيا مع القدرة عليها؛ إذا حَصَلَتْ له يُنْفِقُها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يَدَّخِرْ لنفسه شيئًا لغد. وقال قتادة:﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لِنَبْتَلِيَهُم.

وقوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا أي: اسْتَنْقِذْهُم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصْطَبِرْ أنت على فِعلها؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]. وقوله: ﴿ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، ولهذا قال: ﴿ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ، وقال الثوري: ﴿ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا أي: لا نُكَلِّفُكَ الطلب. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «يقول الله تعالى: يا ابن آدم، تَفَرّغْ لعبادتي أمْلأ صدرك غنًى، وأسدُّ فَقرَك، وإن لم تفعل مَلَأتُ صدرك شُغلًا، ولم أسدَّ فقرك» [رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني]. ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ أي: وحُسْن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة لمن اتَّقَى الله.

الآية (133-135): يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: ﴿ لَوْلَا أي: هَلَّا ﴿ يَأْتِينَا محمد ﴿ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟! قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ يعني: القرآن العظيم الذي أَنزَلَه عليه الله وهو أُميٌّ، لا يُحسِنُ الكتابة، ولم يُدَارِسْ أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين، بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدِّمة الصحيحة منها؛ فإن القرآن مُهَيمن عليها، يُصدّق الصحيح، ويُبَيّن خطأ المكذوب فيها وعليها. و [عن أبي هريرة] عن رسول الله قال: «ما من نبي إلا وقد أُوتيَ من الآيات ما آمَن على مثلِهِ البشر، وإنما كان الذي أُوتِيتُه وَحْيًا أوحاه الله إليَّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» [متفق عليه ]. وإنما ذَكَرَ ههنا أعظم الآيات التي أُعْطِيَهَا عليه السلام وهو القرآن، وله من المعجزات ما لا يُحَدُّ ولا يُحْصَرُ. ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، ونُنَزِّل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: ﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا قبل أن تُهلِكَنا، حتى نؤمن به ونَتَّبِعه؟ ﴿ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ يُبَيِّن تعالى أن هؤلاء المكذِّبين متعنِّتون معاندون لا يؤمنون، ﴿ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:97]. ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أي: يا محمد لمن كَذَّبَك وخالفك واستمرَّ على كفره وعناده: ﴿ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ أي: مِنَّا ومنكم، ﴿ فَتَرَبَّصُوا أي: فانتظروا ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ أي: الطريق المستقيم ﴿ وَمَنِ اهْتَدَىٰ إلى الحق وسبيل الرشاد.