حجم الخط:

الآيات (13-37)

الآية (13-16): ﴿ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي: على جميع الناس مِنَ الموجودين في زمانه. ﴿ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ أي: اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك، ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.

﴿ فَاعْبُدْنِي أي: وحِّدني وَقُم بعبادتي من غير شريك، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي قيل: معناه: صَلِّ لتذكرني. وقيل: معناه: وأَقِم الصلاة عند ذكرك لي. ويشهد لهذا الثاني ما رواه أنس، عن النبي قال: «إذا رَقَد أحدكم عن الصلاة، أو غَفِلَ عنها، فليُصَلِّها إذا ذَكَرَها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [متفق عليه].

وقوله: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي: قائمة لا محالة، وكائنة لا بدَّ منها. ﴿ أَكَادُ أُخْفِيهَا قال ابن عباس: لا أُطْلِعُ عليها أحدًا غيري. وقال السُّدي: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله عنه عِلْم الساعة، ولعَمْري لقد أخفاها الله من الملائكة الـمُقَرَّبِين، ومن الأنبياء والمرسلين. وقوله: ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ أي: أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله. ﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي: لا تَتَّبِعُوا سبيل من كذَّب بالساعة، وأقبل على ملاذِّه في دنياه، وعصى مولاه واتَّبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخَسِر، ﴿ فَتَرْدَىٰ أي: تَهلِك وتَعطَب.

الآية (17-21): هذا برهان من الله تعالى لموسى عليه السلام، ومعجزة عظيمة، وخَرْق للعادة باهر، دالٌّ على أنه لا يَقدِر على مثل هذا إلا الله عز وجل ، وأنه لا يأتي به إلا نبيٌّ مرسل، وقوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له. وقيل: إنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها! فسترى ما نصنع بها الآن؛ ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ استفهام تقرير. ﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا أي: أعتمد عليها في حال المشي، ﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي أي: أَهُزُّ بها الشجرة لِيَسْقُطَ وَرَقُهَا، لتَرعَاه غنمي. ﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ أي: مصالح ومنافع وحاجات أُخَر غير ذلك. ﴿ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى، ألقها. ﴿ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ أي: صارت في الحال حَيَّةً عظيمةً، ثعبانًا طويلًا، يتَحَرَّك حركةً سريعةً، فإذا هي تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ، وهو أسرع الحيات حركةً، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكِبَر، وفي غاية سرعة الحركة! ﴿ تَسْعَىٰ أي: تمشي وتضطرب. فكَشَفَ عن يده ثم قَبضَ فإذا هي عصاه التي عَهِدَها، وإذا يدُه في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشُّعْبَتَيْن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك.

الآية (22-35): هذا بُرهان ثان لموسى عليه السلام، وهو أن الله أَمَرَه أن يُدخِلَ يده في جيبه، كما صَرَّح به في الآية الأخرى، وههنا عَبَّر عن ذلك بقوله: ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ ، وقال في مكان آخر: ﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص:32]. وقال مجاهد: ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ كَفَّك تحت عَضُدِك. ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي: من غير بَرَص ولا أذًى، ومن غير شَيْنٍ. قاله ابن عباس، ولهذا قال تعالى: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى . وقوله: ﴿ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ أي: اذهب إلى فرعون مَلِك مصـر، الذي خَرَجْتَ فارًّا منه وهاربًا، فادْعُه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومُرْهُ فَلْيُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يُعَذِّبهم؛ فإنه قد طغى وبَغَى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.

﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي : هذا سؤال من موسى عليه السلام لربه عز وجل أن يشرح له صدره فيما بَعَثَه به، فإنه قد أَمَرَه بأَمْر عظيم، وخَطْبٍ جَسيم. بَعَثَه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، وأَجْبَرِهِم، وأَشَدِّهِم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأَعْمَرِهِم مُلكًا، وأطغاهم وأبلَغهم تمرُّدًا، بَلَغَ من أمره أنْ ادَّعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره! هذا وقد مَكَثَ موسى في داره مدةً وليدًا عندهم، في حَجْر فرعون، على فراشه، ثم قَتَلَ منهم نفسًا فخَافهم أن يقتلوه، فهَرَب منهم هذه المدَّة بكمالها. ثم بعد هذا بَعَثَه ربُّه عز وجل إليهم نذيرًا يدعوهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي أي: إن لم تَكُنْ أنت عَوني ونصيري، وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك. ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴿٢٧ يَفْقَهُوا قَوْلِي وذلك لِـمَا كان أصابه من اللَّثَغِ حين عُرِضَ عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه. وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العِيّ، ويحصل لهم فَهْم ما يُريِد منه وهو قَدْر الحاجة. ولو سأل الجميع لزَال، ولكن الأنبياء لا يَسأَلون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بَقيَت بقية؛ قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنه قال: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] أي: يُفْصِح بالكلام. وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يَتَخَوَّفُ من آل فرعون في القتيل، وعُقْدَة لسانه، فإنه كان في لسانه عُقْدَةٌ تَـمْنَعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يُعِينَه بأخيه هارون يكون له رِدْءًا ويَتَكَلَّم عنه بكثير ممَّا لا يُفصِح به لسانه، فآتاه سُؤْلَه، فَحَلَّ عُقْدَةً من لسانه.

وقوله: ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿٢٩ هَارُونَ أَخِي : وهذا أيضًا سؤال من موسى عليه السلام، في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له. قال ابن عباس: نُبِّئ هارون ساعتئذٍ حين نُبِّئ موسى عليهما السلام. وقوله: ﴿ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قال مجاهد: ظهري.

﴿ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي أي: في مشاورتي. ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا. وقوله: ﴿ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا أي: في اصطفائك لنا، وإعطائك إيَّانا النبوة، وبَعْثَتِكَ لنا إلى عدوك فرعون.

الآية (36-37): هذه إجابة من الله لرسوله موسى عليه السلام فيما سأل من ربه عز وجل ، وتذكير له بنِعَمِه السالفة عليه.