حجم الخط:

الآيات (14-18)

الآية (14): قال علي بن أبى طالب: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ : التوحيد. وقال ابن عباس: لا إله إلا الله. ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي: ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ قال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده، وهو لا يناله أبدًا بيده، فكيف يبلغ فاه؟! وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يُحْكِمُ منه على شيء. ومعنى الكلام: أن هذا الذي يبسط يده إلى الماء، إما قابضًا وإما متناولًا له من بُعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه، الذي جعله محلًا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهًا غيره لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ .

الآية (15): يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجُد له كلّ شيء طوعًا من المؤمنين، وكرهًا من الكافرين. ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ أي: البُكُرَات، ﴿ وَالْآصَالِ وهو جمع أصيل وهو آخر النهار؛ كما قال تعالى: ﭐﱡﭐ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [النحل: 48]

الآية (16): يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأنهم معترفون أنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبّرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لأنفسها، ولا لعابديها بطريق الأولى ﴿ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا أي: لا تحَصِّل لهم منفعة، ولا تدفع عنهم مضرة. فهل يَستَوي مَن عبدَ هذه الآلهة مع الله، ومَن عبدَ الله وحده لا شريك له، فهو على نور من ربه؟! ولهذا قال: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ أي: أجَعَلَ هؤلاء المشركون مع الله آلهة تُناظِرُ الربّ وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه، فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقةٌ من مخلوق غيره؟! أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ندّ له ولا عدْل له، ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم يعترفون أنها مخلوقة له عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. فإذا كان الجميع عبيدًا، فَلِمَ يعبدُ بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الرأي والاختراع والابتداع؟! ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك، وتنهاهم عن عبادة من سِوَى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقَّتْ عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

الآية (17): اشتملت هذه الآية الكريمة على مَثَلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً أي: مطرًا ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وَسِعَ كثيرًا من الماء، وهذا صغير فَوسع بقَدْره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها؛ فمنها ما يَسَعُ علمًا كثيرًا، ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها. ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زَبَدٌ عالٍ عليه، هذا مثل. وقوله: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ هذا هو المثل الثاني، وهو ما يُسْبَك في النار من ذهب أو فضة ﴿ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أي: ليُجعل حليةً. أو نحاس أو حديد فيجعل متاعًا؛ فإنه يعلوه زَبَدٌ منه، كما يعلو ذلك زبدٌ منه. ﴿ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ أي: إذا اجتمعا؛ لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل؛ ولهذا قال: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً أي: لا يُنتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويَعلَق بالشجر وتَنْسِفُه الرياح. وكذلك خَبَث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب، لا يرجع منه شيء، ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ، قال بعض السلف: كنت إذا قرأتُ مثلًا من القرآن فلم أفهمه بَكَيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]. وقال ابن عباس: قوله: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا احتمل السيل ما في الوادي من عُود ودِمْنَة. ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ فهو الذهب والفضة والحِلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خَبَث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت. فجعل ذاك مثلَ العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، فكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق كان له، ويبقى كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض. وكذلك الحديد لا يُستطاع أن يُعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبَثَه، ويخرج جيّدُهُ فينتفع به. كذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة، وأقيم الناس، وعُرِضَتْ الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.

الآية (18): يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدّقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿ الْحُسْنَىٰ وهو الجزاء الحسن؛ كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ [يونس:26]. قوله: ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ أي لم: يطيعوا الله ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا أي: في الدار الآخرة، لو أنْ يُمْكِنَهُم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يُتقبل منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صَرْفًا ولا عَدْلًا ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ أي: في الدار الآخرة، أي: يناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ .