حجم الخط:

الآيات (14-20)

الآية (14-15): ثم قال تعالى عزيمةً على المؤمنين، وبيانًا لحكمته فيما شَرَع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وهذا عام في المؤمنين كلهم. وقال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني: خزاعة. وأعادوا الضمير في قوله: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ عليهم أيضًا. ﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ أي: من عباده، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي: بما يصلح عباده، ﴿ حَكِيمٌ في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبدًا، ولا يُضِيعُ مثقال ذرة من خير وشرّ، بل يُجازِي عليه في الدنيا والآخرة.

الآية (16): يقول تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أيها المؤمنون أن نترككم مُهْمَلِين، لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب؟! ولهذا قال: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً أي: بطانةً ودخيلةً، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين؛ كما قال الشاعر:

وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا *** أريد الخير أَيُّهُمَا يَلِينِي

وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿ الم ﴿١ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142]، وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179].

والحاصل: أنه تعالى لَـمَّا شَرَع لعباده الجهاد، بيَّن أن له فيه حكمةً، وهو اختبار عبيده: مَن يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. فيَعلَم الشيء قبل كونه، ومع كونه، على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا رادَّ لِـمَا قدَّره وأمضاه.

الآية (17-18): يقول تعالى: ما ينبغي ﴿ لِلْمُشْرِكِينَ بالله ﴿ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ التي بُنيَت على اسمه وحده لا شريك له، وهم شاهدون ﴿ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، أي: بِحَالِهِم وقَالِهِم؛ كما قال السُّدي: لو سألتَ النصراني: ما دينك؟ لقال: نصراني، واليهودي: ما دينك؟ لقال: يهودي، والصابئي، لقال: صابئ، والمشرك، لقال: مشرك. ﴿ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ أي: بشِركهم، ﴿ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ، وقال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأنفال:34]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فشهد تعالى بالإيمان لعُـمَّار المساجد.

وقوله: ﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ أي: التي هي أكبر عبادات البدن، ﴿ وَآتَى الزَّكَاةَ أي: التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى برِّ الخلائق، ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ أي: ولم يَخَفْ إلا من الله تعالى، ولم يَخْشَ سواه، ﴿ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ قال ابن عباس: أولئك هم المفلحون؛ كقوله لنبيه : ﴿ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وهي الشفاعة، قال ابن إسحاق: و«عسى» من الله حقٌّ.

الآية (19-20): عن ابن عباس قال: إن المشركين قالوا: عِمَارة بيت الله وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به مِن أجْل أنهم أهله وعُـمَّارُه، فذَكَر الله استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ﴿٦٦ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:66-67] يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم، قال: ﴿ بِهِ سَامِرًا ، كانوا يسمرون به، ويهجرون القرآنَ والنبيَّ ، فَخَيَّرَ اللهُ الإيمانَ والجهادَ مع النبي ، على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته [ويخدمونه][1].

قال الله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم الله «ظالمين» بشركهم، فلم تُغْنِ عنهم العمارة شيئًا.

عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألَّا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير ممَّا قلتم. فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله -وذلك يوم الجمعة- ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله فاستفتيتُه فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل، فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [رواه مسلم].