الآية (14-17): ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ﴾ أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو: الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل، ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾ أي: طلبوا لأنفسهم النجاة، ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ أي: وقودًا تُسعر بهم. ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴿١٦﴾ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: أحدهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ﴿ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ أي: كثيرًا. والمراد بذلك سَعَة الرزق؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف:96]، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ [المائدة:66]. وعلى هذا يكون معنى ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ كما قال زيد بن أسلم: لنبتليهم، من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية. قال ابن عباس: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ﴾ يعني بالاستقامة: الطاعة. وقال مجاهد: الإسلام. وقال قتادة: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا. وقال مجاهد: أي: طريقة الحق. والقول الثاني: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ﴾ الضلالة ﴿ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ﴾ [الأنعام:44]. وهذا قول أبي مِجلز. وله اتجاه، ويتأيد بقوله: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾. ﴿ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴾ أي: عذابًا شاقًّا شديدًا موجعًا مؤلمًا. قال ابن عباس: ﴿ عَذَابًا صَعَدًا ﴾ أي: مشقة لا راحة معها.
الآية (18-21): يقول تعالى آمرًا عباده أن يُوَحِّدوه في مجال عبادته، ولا يُدْعَى معه أحد ولا يشرك به. قال قتادة: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيَعهم، أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده. وعن ابن عباس: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام، ومسجد إيليا: بيت المقدس. وقال عكرمة: نزلت في المساجد كلها. ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ قال ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي ﷺ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص، لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه، فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ﴾ يستمعون القرآن. هذا قول. وعن ابن عباس قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له، فقالوا لقومهم: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾. وهذا قول ثان. وقال قتادة: تَلَبَّدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه. وهذا قول ثالث، وهو اختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله بعده: ﴿ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴾ أي: قال لهم الرسول لما آذوه وكذبوه واجتمعوا على عداوته: ﴿ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به وأتوكل عليه، ﴿ وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴾. ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ أي: إنما أنا بشر مثلكم يُوحَى إليّ، وعبدٌ من عباد الله ليس إليّ من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله.
الآية (22-24): ثم أخبر عن نفسه أيضًا أنه لا يجيره من الله أحد، أي: لو عصيته؛ فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه، ﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قال مجاهد والسدي: لا ملجأ. وقال قتادة: أي: لا نصير ولا ملجأ. وفي رواية: لا ولي ولا موئل. ﴿ إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ﴾ قال بعضهم: هو مستثنى من قوله: ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ ﴿ إِلَّا بَلَاغًا ﴾ ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿ لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ﴾ أي: لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها عليّ؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة:67]. ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ أي: إنما أبلغكم رسالة الله، فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نار جهنم خالدين فيها أبدًا، أي: لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ﴾ أي: حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ يومئذ ﴿ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ﴾، هُمْ أمِ المؤمنون الموحدون لله عز وجل.
الآية (25-28): يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للناس: إنه لا علم له بوقت الساعة، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ﴾ أي: مدة طويلة. وقد كان ﷺ يُسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تَبدَّى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا محمد، فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» [متفق عليه]. ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ ﰀ ﰁ﴾ هذه كقوله: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة:255]. وهكذا قال ههنا: إنه يعلم الغيب والشهادة، وإنه لا يَطَّلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ ﰀ ﰁ﴾, وهذا يعم الرسول الملكي والبشري. ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ﴾ أي: يَخْتَصّه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله، ويساوقونه على ما معه من وحي الله. ﴿ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ﴾ اختُلف في الضمير الذي في قوله: ﴿ﰋ﴾، فقيل: إنه عائد إلى النبي ﷺ؛ عن قتادة قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها. واختاره ابن جرير. ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الله عز وجل، ويكون المعنى في ذلك: أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما يُنَزِّله إليهم من الوحي؛ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم؛ كقوله: ﴿ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ﴾ [البقرة: 143]، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعًا؛ ولهذا قال بعد هذا: ﴿ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ﴾.