الآية (141-143): ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: يُكفّر عنهم من ذنوبهم، إن كان لهم ذنوب وإلا رُفِعَ لهم في درجاتهم بحسب ما أُصِيبوا به، وقوله: ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ أي: فإنهم إذا ظَفِرُوا بَغَوا وبَطِروا فيكون ذلك سَبَبَ دمارهم وهلاكهم ومَحْقِهم وفنائهم. ثم قال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ أي: أحَسِبتُم أن تدخلوا الجنة ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد؟ كما قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة:214]، وقال تعالى: ﴿ الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت:1-3].
ولهذا قال ههنا: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تُبْتَلَوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء. وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ أي: قد كنتم -أيها المؤمنون- قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو وتتحرَّقون عليهم، وتودُّون مناجزتهم ومُصابرتهم، فها قد حَصَل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدُونَكم فقاتِلوا وصابِروا. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَـمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا الله الْعَافِيَةَ، فَإذَا لقيتموهم فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْـجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» [متفق عليه]. ولهذا قال: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ يعني: الموت شاهدتموه في لَمَعَان السيوف، وحَدّ الأسِنّة، واشتباك الرِّماح، وصفوف الرجال للقتال.
الآية (144-148): [سبب النزول] لـمّا انهزم مَن انهزم من المسلمين يوم أُحُد، وقُتِل مَن قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتِل. ورجع ابن قَمِيئَةَ إلى المشركين فقال لهم: قَتَلْتُ محمدًا! وإنما كان قد ضَرَب رسول الله ﷺ، فَشَجَّه في رأسه، فَوَقَع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله قد قُتِل، وجَوَّزوا عليه ذلك، كما قد قَصَّ الله عن كثير من الأنبياء –عليهم السلام- فحصل وَهَنٌ وضعفٌ وتَأخُّر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ أي: له أسْوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه. ثم قال تعالى مُنكرًا على من حَصَل له ضَعف: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ أي: رجعتم القَهْقرَى ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيًّا وميتًا. كذلك ثبت في الصحاح والمسانيد، وغيرها من كتب الإسلام من طُرق متعددة تُفيد القطْع: أن الصدّيق رضي الله عنه تَلا هذه الآية لما مات رسول الله ﷺ. وقال: مَنْ كانَ يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيٌّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ إلى قوله: ﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾ قال: فوالله لكَأنّ الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلاها الناس منه كلهم، [قال عُمر:] فما أسمعُ بشرًا من الناس إلا يتلوها [رواه البخاري]. وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾ أي: لا يموت أحد إلا بقدَر الله، وحتى يستوفي المدةَ التي ضَرَبها الله له؛ ولهذا قال: ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ [فاطر:11]. وكقوله: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ [الأنعام:2]. وهذه الآية فيها تشجيع للجُبَناء وترغيب لهم في القتال؛ فإن الإقدام والإحجام لا يَنْقُص من العمر ولا يزيد فيه. وقوله: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ أي: من كان عمله للدنيا فقد نال منها ما قدّرَه الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى:20]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴿١٨﴾ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء:18-19]، وهكذا قال ههنا: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شُكْرهم وعملهم. ثم قال تعالى مُسلِّيًا للمسلمين عما كان وَقَع في نفوسهم يوم أُحُد: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾، قيل: معناه: كم من نبي قُتِل وَقُتِلَ معه ربّيون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير[1]، وإنما نفي الوَهَن والضعف عمن بقي من الرِّبِّيين ممن لم يُقتَل. وقيل: وكم من نبي قُتل بين يديه من أصحابه ربِّيون كثير. وعن ابن مسعود ﴿ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ أي: أُلوف. وقال ابن عباس: الرِّبِّيون: الجُموع الكثيرة. وقال الحسن: أي: عُلماء كثير، وعنه أيضًا: عُلماء صُبُرٌ أبرارٌ أتقياء. ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾. قال قتادة والربيع بن أنس: ﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾ بقتل نبيّهم. ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ يقول: فما ارتدُّوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، أنْ قاتَلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٦﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ أي: لم يكن لهم هِجّيرَى إلا ذلك. ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾ أي: النصر والظفَر والعاقبة ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ ﴾ أي: جمَع لهم ذلك مع هذا ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.