الآية (149- 151): يحذِّر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين؛ فإن طاعتهم تُورِث الرَّدى في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾. ثم أمرهم بطاعته وموالاته، والاستعانة به والتوكل عليه، فقال: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾. ثم بشَّرهم بأنه سَيُلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كُفرهم وشركهم، مع ما ادَّخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنَّكال، فقال: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾. وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» [متفق عليه].
الآية (152): ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ ﴾ قال ابن عباس: وَعَدَهم الله النصر. وذلك كان يوم أحُد، فلما واجهوا عدوهم كان الظفَر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حَصَل ما حَصَل - مِن عصيان الرُّماة وفشَل بعض المقاتلة- تأخّر الوعد الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: أول النهار، ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أي: تقتلونهم ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ قال ابن عباس: الفشل: الجُبن. ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ ﴾ كما وقع للرماة ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾ وهو الظفر بهم ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾: ثم أَدَالـَهُم عليكم ليختبركم ويمتحنكم، ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ أي: غفر لكم ذلك الصَّنِيع، وذلك -والله أعلم- لكثرة عَدد العدو وعُدَدهم، وقلة عَدد المسلمين وعُدَدِهم، ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾. روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: ما نَصَرَ الله في مَوْطِنٍ كما نصر يوم أحُد. قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكرَ ذلك كتابُ الله، إن الله يقول في يوم أحد: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ يقول ابن عباس: والحَسُّ: القتل ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾. عن ابن مسعود قال: لو حلفتُ يومئذ رجوت أن أبَر: أنه ليس أحد منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾، وعن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجْلَس النبيُّ ﷺ جَيْشا من الرُّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير قال: «لا تَبْرَحُوا، إنْ رأيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلا تَبْرَحُوا، وإنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلا تُعِينُونَا». فلما لقيناهم هربُوا، حتى رأينا النساء يَشْتَدِدْنَ في الجبل، رَفَعْنَ عن سُوقهن، وقد بدَت خَلاخِلُهنّ، فأخذوا يقولون: الغنيمةَ الغَنيمة. فقال عبد الله: عَهِدَ إليّ النبيّ ﷺ ألا تَبْرَحُوا. فأبَوْا، فلما أبَوْا صَرَفَ وجوههم، فأُصِيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: «لا تجيبوه». فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: «لا تُجِيبُوهُ». فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قُتِلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عُمَرُ نفسه فقال: كَذَبْتَ يَا عَدَوَّ اللهِ، قد أبقى الله لك ما يُحزِنُكَ. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل! فقال النبي ﷺ: «أجِيبُوهُ». قالوا: ما نقول؟ قال: «قُولُوا: الله أعْلَى وأجَلُّ». فقال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم! فقال النبي ﷺ: «أجِيبُوهُ». قالوا: ما نقول؟ قال: «قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا، وَلا مَوْلَى لَكُمْ». قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحربُ سِجَال، وتجدون مَثُلَةً لم آمُر بها ولم تَسُؤْني [رواه البخاري].
﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ عن أنس بن مالك: أن عمَّهُ -أنس بن النضر- غاب عن بدر، فقال: غِبْتُ عن أول قتال رسول الله ﷺ، لَئِنْ أشْهدني الله مع رسول الله ﷺ لَيَرَيَنّ الله مَا أُجِدّ، فلَقِي يومَ أحُد، فهُزم الناسُ، فقال: اللهُمّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرَأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدّم بسيفه فَلقي سعدَ بن مُعَاذ فقال: أينَ يا سعد؟ إني أجدُ ريح الجنة دون أُحُد. فمضى فَقُتِل، فما عُرف، حتى عَرَفته أختُه بِبَنانِه بشامة، وبه بضع وثمانون من طَعْنة وضَرْبة ورَمْية بسَهْم [متفق عليه].
الآية (153): ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ أي: صَرَفَكُم عنهم إذ تُصعدون أي: في الجبل هاربين من أعدائكم ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدَّهَش والخوف والرعب، ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ أي: وهو قد خلَّفتموه وراء ظُهوركم يدعوكم إلى تَرْك الفرار من الأعداء، وإلى الرَّجعة والعودة والكرَّة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله ﷺ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ -وهو حينئذٍ يشير إلى رَباعيّته- اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في سَبِيلِ اللهِ» [متفق عليه]. وعن سهل بن سعد أنه سُئِل عن جُرح رسول الله ﷺ فقال: جُرح وجه رسول الله ﷺ؟ وكسِرَت رَبَاعِيتُه، وهُشِمَت البَيْضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان عَلِي يسكب عليه بالمِجَنّ فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيدُ الدم إلا كثرة، أخذَت قطعةَ حَصِير فأحرقتها، حتى إذا صارت رمادًا ألصقته بالجُرْح، فاستمسك الدم [متفق عليه]. وقوله: ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ أي: فجازاكم غَمًّا على غَمٍّ. قال ابن عباس: الغم الأول: بسبب الهزيمة، وحين قيل: قُتل محمد ﷺ، والثاني: حين علاهم المشركون فوق الجبل. قال ابن جرير: أَولى الأقوال بالصواب قولُ من قال: فأثابكم بغَمّكُم - أيها المؤمنون - بحرمان الله إياكم غنيمةَ المشركين والظَّفر بهم والنصرَ عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذٍ - بعد الذي أراكم في كل ذلك ما تحبون- بمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر النبي ﷺ، غَمَّ ظنكم أن نبيّكم قد قُتِل، وميل العدو عليكم بعد فُلولكم منهم. وقوله: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ أي: على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ ﴾ من القتل والجراح، قاله ابن عباس وغيره، ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.