حجم الخط:

الآيات (15-22)

الآية (15): يقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك ﴿ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ هذا فيه تعظيم لما فعلوه: أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجُبّ، وقد أخذوه من عند أبيه -فيما يُظهرونه له- إكرامًا له وبسطًا وشرحًا لصدره، وإدخالًا للسرور عليه.

قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يقول تعالى ذاكرًا لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيّق -تطييبًا لقلبه وتثبيتًا له-: لا تحزن مما أنت فيه؛ فإن لك من ذلك فرَجًا ومخرجًا حسنًا، وسينصرك الله عليهم، ويُعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع. وقوله: ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بإيحاء الله إليه. وقال ابن عباس: ستُنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك.

الآية (16-17): يقول تعالى مُخبرًا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب: ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، ويتغَمَّمون لأبيهم. وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ أي: نترامى ﴿ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا أي: ثيابنا وأمتعتنا ﴿ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وهو الذي كان قد جزع منه وحذَّر عليه. وقولهم: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ تلطّفٌ عظيم في تقرير ما يحاولونه؛ يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا -والحالة هذه- لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك؛ لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكلَه الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا؛ لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا.

الآية (18): قوله: ﴿ وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ أي: مكذوب مُفترًى. وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالَؤوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سَخْلة - فيما ذكره مجاهد والسدي وغير واحد- فذبحوها، ولطَّخوا ثوب يوسف بدمها، مُوهِمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يَرُجْ هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم مُعرضًا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه مِن تَمالُئِهم عليه: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرّجه الله بعونه ولطفه، ﴿ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال. وقال ابن عباس: ﴿ وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ : لو أكله السبع لخرق القميص. وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل: الذي لا جزع فيه.

الآية (19-20): يقول تعالى مُخبرًا عما جرى ليوسف عليه السلام حين ألقاه إخوته، وتركوه في ذلك الجب فريدًا وحيدًا. قال ابن إسحاق: لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ما يصنع وما يُصنع به، فساق الله له سَيَّارة، فنزلوا قريبًا من تلك البئر، وأرسلوا واردهم -وهو الذي يتطلب لهم الماء- فلما جاء تلك البئر، وأدلى دلوه فيها، تشبَّث يوسف عليه السلام فيها، فأخرجه واستبشر به، وقال: ﴿ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ . قوله: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً أي: وأسرَّه الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضَّعناه من أصحاب الماء؛ مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره. قاله مجاهد، والسدي، وابن جرير. هذا قول، وقال ابن عباس: قوله: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً يعني: إخوة يوسف أسَرُّوا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه: ﴿ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ يُباع، فباعه إخوته. ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ أي: يعلم ما يفعله إخوة يوسف ومُشتَروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودَفْعِهِ، ولكن له حكمة وقَدَرٌ سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدَّره وقضاه، ألا له الخلق والأمر. وفي هذا تعريض لرسوله محمد وإعلامٌ له بأنني عالم بأذى قومك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأُمْلي لهم، ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته. ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل. والبخس: هو النقص، أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دُونٍ قليلٍ ﴿ وَكَانُوا مع ذلك ﴿ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ أي: ليس لهم رغبة فيه، بل لو سألوه بلا شيء لأجابوا. وقال الضحاك: وذلك أنهم لم يعلموا نبوّته ومنزلته عند الله عز وجل.

الآية (21-22): يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليه السلام أنه قيَّض له الذي اشتراه من مصر، حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسَّم فيه الخير والصلاح، فقال لامرأته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ، وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. يقول تعالى: وكما أنقذنا يوسف من إخوته كذلك ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يعني: بلاد مصر ﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا، ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ أي: إذا أراد شيئًا فلا يُرَدّ ولا يُمانَع ولا يُخالَف، بل هو الغالب لما سواه. قوله: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطُّفه لما يريد. قوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أي: يوسف عليه السلام ﴿ أَشُدَّهُ أي: استكمل عقله وتم خَلقه ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا يعني: النبوة؛ أنه حباه بها بين أولئك الأقوام. ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي: إنه كان محسنًا في عمله، عاملًا بطاعة ربه تعالى. وقد اختُلِف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال الإمام مالك: الأشدّ: الحُلم. وقيل غير ذلك.