حجم الخط:

الآيات (15-23)

الآية (15): ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ أي: الذين آمنوا بنوح عليه السلام. وقد تَقَدَّم ذِكْر ذلك في سورة «هود».

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ أي: وجَعَلْنا تلك السفينة باقيةً، إما عَيْنُها كما قال قتادة: إنها بَقِيَتْ إلى أوَّل الإسلام على جبل الـجُودِيِّ، أو نَوْعُها جَعَلَه للناس تَذْكِرَةً لنِعَمِه على الـخَلْق، كيف نجَّاهم من الطوفان؛ كما قال تعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿٤١ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴿٤٢ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ ﴿٤٣ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [يس:41- 44]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الحاقة:11-12]، وقال ههنا: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ .

الآية (16-18): يُخْبِر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء: أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في التَّقوى، وطَلَب الرِّزْق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر؛ فإنه المشكور على النِّعَم، لَا مُسْدِيَ لها غيره، فقال لقومه: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ أي: أَخْلِصُوا له العبادة والخوف.

﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: إذا فَعَلْتُم ذلك حَصَلَ لكم الخير في الدنيا والآخرة، وانْدَفَعَ عنكم الشَّرُّ في الدنيا والآخرة. ثم أخبرهم أن الأصنام التي يعبدونها والأوثان، لا تَضُرُّ ولا تنفع، وإنما اخْتَلَقْتُم أنتم لها أسماءً سَمَّيْتُمُوها آلهةً، وإنما هي مَخْلُوقة مثلكم. هكذا روى العوفي عن ابن عباس. وبه قال مجاهد والسدي.

وروى الوالبي، عن ابن عباس: وتصنعون إفكًا، أي: تَنْحِتُونها أصنامًا. وبه قال مجاهد -في رواية- وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم، واختاره ابن جرير.

وهي لا تملك لكم رزقًا ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ، وهذا أَبْلَغ في الـحَصْر[1]؛ كقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11].

ولهذا قال: ﴿ فَابْتَغُوا أي: فاطلبوا ﴿ عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ أي: لا عند غيره؛ فإنَّ غيره لا يَمْلِك شيئًا، ﴿ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ أي: كُلُوا من رزقه واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم.

﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي: يوم القيامة، فيُجَازِي كلَّ عامل بعمله.

وقوله: ﴿ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: فبَلَغَكم ما حَلَّ بهم من العذاب والنَّكال في مخالفة الرسل.

﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ يعني: إنَّما على الرسول أن يُبَلِّغَكم ما أَمَرَه الله تعالى به من الرسالة، والله يُضِلُّ من يشاء ويَهْدِي من يشاء، فاحْرِصُوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء.

الآية (19-23): يقول تعالى مُخْبِرًا عن الخليل عليه السلام أنه أَرْشَدَهم إلى إثبات الـمَعَاد الذي يُنْكِرُونه، بما يُشَاهِدُونه في أنفسهم من خَلْق الله إيَّاهم، بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، ثم وُجِدُوا وصاروا أناسًا سامعين مُبْصِرين، فالذي بَدَأَ هذا قادر على إعادته؛ فإنه سَهْلٌ عليه يسير لديه. ثم أَرْشَدَهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خَلْق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة: الثوابت، والسَّيَّارات، والأرضين وما فيها من مِهَاد وجبال، وأودية [وبرارٍ] وقِفَار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دالٌّ على حدوثها في أَنْفُسِها، وعلى وجود صانعها، الذي يقول للشيء: «كن» فيكون؛ ولهذا قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ، كقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27].

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ أي: يوم القيامة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53]، وكقوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿٣٥ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ [الطور:35-36].

وقوله: ﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ أي: هو الحاكم الـمُتَصـرف، الذي يَفعَل ما يشاء، ويَحْكُم ما يُرِيْد، لا مُعَقِّب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، فلَهُ الـخَلْقُ والأَمْر، مهما فَعَلَ فَعَدْلٌ؛ لأنه المالك الذي لا يَظْلِم مِثقَالَ ذَرَّة، ولهذا قال تعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ أي: تُرْجَعُون يوم القيامة.

وقوله: ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ أي: لا يُعْجِزُه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل ﱡﭐ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:61،18]، وكُلُّ شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عمَّا سِوَاه.

﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿٢٢ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أي: جَحَدوها وكفروا بِالـمَعَاد.

﴿ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي: لا نصيب لهم فيها.

﴿ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: مُوجِع في الدنيا والآخرة.