الآية (15-18): ذَكَر تعالى الأرض، وما جعل فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات، لِتَقِرَّ الأرض ولا تَـمِيد، أي: تضطرب بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ [النازعات:32]. وقوله: ﴿ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا ﴾ أي: وجعل فيها أنهارًا تجري من مكان إلى مكان آخر، رزقًا للعباد، يَنْبُعُ في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر! فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سُخِّر لأهله. وهي سائرة في الأرض يمنةً ويسرةً، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينًا وتنقطع في وقت، وما بين نَبْعٍ وَجَمْعٍ، وقويّ السير وبطيئه، بحسب ما أراد وقدَّر، وسخَّر ويسَّر، فلا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه. وكذلك جَعَل فيها سُبلًا، أي: طُرقًا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرًّا ومَسْلَكًا، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا ﴾ [الأنبياء:31].
وقوله: ﴿ وَعَلَامَاتٍ ﴾ أي: دلائل من جبال كِبار وآكام صغار، ونحو ذلك، يَستَدِل بها المسافرون برًّا وبحرًا إذا ضلُّوا الطريق.
﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ أي: في ظلام الليل، قاله ابن عباس.
ثم نَـبَّه تعالى على عظمته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه من الأوثان، التي لا تخلق شيئًا بل هم يُخلَقون؛ ولهذا قال: ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾.
ثم نَبَّهَهم على كثرة نِعَمه عليهم وإحسانه إليهم، فقال: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشُكْر جميع نِعَمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أَمَرَكم به لَضَعُفْتُم وتَرَكْتُم، ولو عذَّبَكم لعذَّبَكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير.
وقال ابن جرير: يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ ﴾ لِـمَا كان منكم من تقصير في شُكْر بعض ذلك، إذا تُبتُم وأَنَبْتُم إلى طاعته واتباع مرضاته، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بكم أن يُعذِّبَكم بعد الإنابة والتوبة.
الآية (19-21): يُخبِر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ، ثم أخبر أن الأصنام التي يدعونها من دون الله ﱡﭐ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﱠ، كما قال الخليل: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات:95-96]. وقوله: ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ أي: هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تُبصِر ولا تَعقِل، ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يُرتَجى عند هذه نَفْعٌ أو ثواب أو جزاء؟! إنما يُرتَجَى ذلك من الذي يَعلَم كل شيء، وهو خالق كل شيء.
الآية (22-23): يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تُنكِر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم مُتَعَجِّبِينَ من ذلك: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص:5]، وقال: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزمر:45].
وقوله: ﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي: عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده، كما قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر:60]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ لَا جَرَمَ ﴾ أي: حقًّا ﴿ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أي: وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾.
الآية (24-25): يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين: ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا ﴾ مُعرِضِين عن الجواب: ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي: لم يُنْزِلْ شيئًا، إنما هذا الذي يُتْلَى علينا أساطير الأولين، أي: مأخوذ من كُتُب المتقدِّمين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان:5] أي: يَفْتَرُون على الرسول، ويقولون فيه أقوالًا مختلفةً متضادةً، كلها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان:9]؛ وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ.
قال تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: إنما قدّرنا عليهم أن يقولوا ذلك فيتحمَّلوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتَّبِعونهم ويوافقونهم، أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث: «من دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور من اتَّبَعَه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ آثام من اتَّبَعَه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» [رواه مسلم]. وقال مجاهد: يحملون أثقالهم: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يُخَفَّفُ عمَّن أطاعهم من العذاب شيئًا.
الآية (26): قال ابن عباس في قوله: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قال: هو نمرود الذي بنى الصرح. وقال آخرون: هذا من باب المثل، لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح عليه السلام: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ [نوح:22] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حِيلة، وأمالوهم إلى شِركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ﴾ الآية [سبأ:33]. وقوله: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ﴾ أي: اجْتَثَّهُ من أصله، وأَبطَل عملهم، كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ﴾ [المائدة:64]. وقوله: ﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر:2]، وقال ههنا: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾.