حجم الخط:

الآيات (15-31)

الآية (15-16): ﴿ أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿١٥ اصْلَوْهَا أي: ادخلوها دخول من تَغْمُرُهُ من جميع جهاته. ﴿ فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أي: سواء صبرتم على عذابها ونَكَالها أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها.

﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: ولا يَظْلِم الله أحدًا، بل يُجازي كلًّا بعمله.

الآية (17-20): أَخْبَرَ الله تعالى عن حال السعداء فقال: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ وذلك بِضِدِّ ما أولئك فيه من العذاب والنكال، ﴿ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ أي: يَتَفَكَّهون بما آتاهم الله من النعيم، من أصناف الملاذِّ، من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك. ﴿ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ أي: وقد نجّاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حِدَتِها مع ما أُضِيفَ إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عين رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشر. وقوله: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي هذا بذاك، تفضُّلًا منه وإحسانًا.

وقوله: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ قال ابن عباس: السُّرُر في الـحِجَال. ومعنى ﴿ مَصْفُوفَةٍ أي: وجوه بعضهم إلى بعض؛ كقوله: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الصافات:44]. ﴿ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أي: وجعلنا لهم قَرِينَات صالحات، وزوجات حِسَانًا من الحور العين. وقال مجاهد: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُمْ : أنكحناهم بِحور عين، وقد تَقَدَّم وَصْفُهُن في غير موضع بما أَغْنَى عن إعادته.

الآية (21-28): يُخْبِرُ تعالى عن فَضْله وكَرَمه، وامتنانه ولُطْفِه بخَلْقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتَّبَعَتهم ذرِّيَّاتهم في الإيمان يُلْحِقُهم بآبائهم في الـمَنْزِلَة، وإن لم يَبْلُغوا عَمَلَهم، لِتَقَرَّ أَعْيُن الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيَجْمَع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك؛ ولهذا قال: ﴿ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . وعن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذريةَ المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لِتَقَرَّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة. وهو اختيار ابن جرير.

هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء؛ فعن أبي هريرة عن رسول الله : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صَدَقة جارية، أو عِلْم يُنتفَعُ به، أو وَلَد صالح يدعو له» [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ : لَـمَّا أَخْبَر عن مقام الفَضْل، وهو رَفْع درجة الذُّرِّية إلى منزلة الآباء من غير عَمَل يقتضي ذلك، أَخْبَر عن مقام العَدْل، وهو أنه لا يُؤَاخِذُ أحدًا بذَنْب أحد، بل ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ أي: مُرْتَهَنٌ بعمله، لا يُحْمَلُ عليه ذَنْبُ غيره من الناس، سواء كان أبًا أو ابنًا؛ كما قال: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴿٣٩ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠ عَنِ الْمُجْرِمِينَ [المدثر:38-41].

وقوله: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ أي: وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى، ممَّا يُستَطَاب ويُشتَهَى.

وقوله: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا أي: يَتَعَاطون فيها كأسًا، أي: من الخمر. قاله الضحاك. ﴿ لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ أي: لا يتكلَّمون عنها بكلام لاغٍ، أي: هَذَيَان، ولا إثم، أي: فُحْش؛ كما تَتَكَلَّمُ به الشَّرَبَةُ من أهل الدنيا. وقال ابن عباس: اللغو: الباطل. والتأثيم: الكَذِب. وقال مجاهد: لا يَسْتَبُّون ولا يُؤَثَّمُون. وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان. فنَزَّهَ الله خَمْر الآخرة عن قاذورات خَمْر الدنيا وأذاها، فنَفَى عنها -كما تقدَّم- صداع الرأس، ووَجَع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأَخْبَر أنها لا تَحْمِلهم على الكلام السَّيِّئ الفارغ عن الفائدة الـمُتَضَمِّن هَذَيَانًا وفُحشًا، وأخبر بحُسْن منظرها، وطيب طَعْمها ومَخْبَرِها فقال: ﴿ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴿٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات:46-47]، وقال: ﴿ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [الواقعة:19]، وقال ههنا: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ .

وقوله: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ إخبار عن خَدَمِهم وحَشَمِهم في الجنة كأنهم اللؤلؤ الرَّطْب، المكنون في حُسْنِهم وبهائهم ونظافتهم وحُسْن ملابسهم، كما قال: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴿١٧ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة:17-18].

وقوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ أي: أقبلوا يَتَحَادَثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يَتَحَادَثُ أهل الشراب على شرابهم إذا أَخَذَ فيهم الشراب بما كان من أمرهم.

﴿ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ أي: قد كُنَّا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربِّنا مشفقين من عذابه وعقابه.

﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ أي: فتَصَدَّقَ علينا وأجارنا ممَّا نَخَاف. ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ أي: نَتَضَرَّعُ إليه، فاستجاب لنا وأعطانا سُؤْلَنا، ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ .

الآية (29-31): يقول تعالى آمرًا رسولَه بأن يُبَلِّغ رسالته إلى عباده، وأن يُذَكِّرَهم بما أَنْزَل الله عليه. ثم نَفَى عنه ما يَرمِيه به أهل البهتان والفجور فقال: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أي: لستَ بحمد الله بكاهن كما تقوله الـجَهَلَةُ من كفار قريش. والكاهن: الذي يأتيه الرَّئِيُّ من الجان بالكلمة يَتَلَقَّاهَا من خبر السماء، ﴿ وَلَا مَجْنُونٍ : وهو الذي يَتَخَبَّطُه الشيطان من المسّ.

ثم قال تعالى منكرًا عليهم في قولهم في الرسول : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ أي: قوارع الدهر. والمنون: الموت؛ يقولون: نُنْظِرُهُ ونَصْبِر عليه حتى يأتيه الموت فنَسْتَريح منه ومن شأنه، قال تعالى: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أي: انتظروا فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنُّصرة في الدنيا والآخرة.