حجم الخط:

الآيات (154-163)

الآية (154): يُخبر تعالى أنّ الشهداء في بَرْزَخِهم أحياء يُرزقون، كما جاء [في الحديث]: «إن أرواح الشهداء في حَواصِل طيور خُضْر تَسرَح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل مُعَلَّقة تحت العرش» [رواه مسلم]. وعن كعب بن مالك قال: قال رسول الله : «نَسَمَةُ المؤمن طائر تَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يُرجعه الله إلى جسده يوم يَبعَثه» [رواه أحمد، وصححه الألباني]. ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصِّصُوا بالذكر في القرآن، تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيمًا.

الآية (155-157): أَخْبَر تعالى أنه يَبتَلي عباده، أي: يختبرهم ويَمتَحِنهم، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] فتارةً بالسرّاء، وتارةً بالضرّاء من خوف وجوع، كما قال تعالى: ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل:112] فإن الجائع والخائف كلٌّ منهما يَظهَرُ ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال ههنا: ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ أي: بقليل من ذلك، ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ أي: ذهاب بعضها، ﴿ وَالْأَنْفُسِ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب، ﴿ وَالثَّمَرَاتِ أي: لا تُغِلّ الحدائق والمزارع كعادتها. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صَبَر أثابه، ومن قَنِطَ أحلَّ به عِقابه. ولهذا قال: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . ثم بيَنَّ تعالى مَنِ الصابرون الذين شَكَرهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أي: تسلَّوا بقولهم هذا عمَّا أصابهم، وعلموا أنَّهم مُلْك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يَضيع لديه مِثْقال ذرَّة يوم القيامة، فأحَدَث لهم ذلك اعترافَهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة. ولهذا أَخبَر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي: ثناء من الله عليهم ﴿ وَرَحْمَةٌ . قال سعيد بن جبير: أي أَمَنَةٌ من العذاب. ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ، وكذلك هؤلاء، أُعطوا ثوابهم وزِيْدُوا أيضًا. وقد وَرَد في ثواب الاسترجاع، وهو قول: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ عند المصائب - أحاديث كثيرة. فمن ذلك: عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ، فقال: لقد سمعت من رسول الله قولًا سُررْتُ به. قال: «لا يُصِيب أحدًا من المسلمين مصيبةٌ فيَستَرجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أْجُرْنِي في مصيبتي، وأخْلِف لي خيرًا منها، إلا فُعِل ذلك به» قالت أم سلمة: فحفظتُ ذلك منه، فلمَّا توفي أبو سلمة استرجعت وقلتُ: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منه، فلمَّا انقضت عدَّتي استأذن عليَّ رسول الله ، فخطبني إلى نفسي [رواه مسلم].

الآية (158): [سبب النزول] عن عاصم بن سُليمان قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة؟ قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [رواه البخاري]. و[عن] جابر رضي الله عنه: أن رسول الله لما فَرَغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ثم قال: «أَبدأُ بما بدأ الله به» [رواه مسلم]. وعن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، قالت: رأيت رسول الله يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: «اسعَوا، فإن الله كَتَب عليكم السعي» [رواه أحمد، وصححه الألباني]. وقد استُدِلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركنٌ في الحج، وقيل واجب، وليس بركن، وقيل بل مستحب والقول الأول أرجح، لأنه عليه السلام طاف بينهما، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» [رواه مسلم]. فكل ما فَعَله في حَجَّته تلك واجب لابد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل. ﴿ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، أي: مما شَرَع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وأصل ذلك مأخوذ من طواف هاجَر وتَرْدادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لَـمَّا نَفِدَ ماؤُها وزادُها، حين تركهما إبراهيم عليه السلام هنالك ليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك، ونَفِدَ ما عندها قامت تطلب الغوث من الله عز وجل، فلم تزل تَرَدَّدُ في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متَذَلِّلة خائفة وجِلَة مضطرّةً فقيرةً إلى الله عز وجل، حتى كَشَف الله كُرْبَتها، وآنَسَ غُرْبَتها، وفرَّج شِدَّتها، وأَنْبَع لها زمزم.

الآية (159-162): هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرُّسُلُ من الدلالات البيِّنة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بيَّنه الله لعباده في كتبه، التي أنزلها على رُسُله. ثم أَخبَر أنهم يلعنهم كلّ شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العَالِـم يَستَغفِر له كلّ شيء، حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. عن أبي هريرة وغيره: أن رسول الله قال: «مَن سُئِل عن عِلْم فكَتَمه، أُلْـجِمَ يوم القيامة بِلِجَامٍ من نار» [رواه أحمد، وصحح ٍإسناده أحمد شاكر]. [وعنه رضي الله عنه]: لولا آية في كتاب الله ما حدثتُ أحدًا شيئًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ الآية [رواه مسلم]. وقد جاء في الحديث: «إن العالم يَستَغفِرُ له كل شيء حتى الحيتان في البحر» [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]. و﴿ اللَّاعِنُونَ هم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال أو الحال، أو لو كان له عقل، أو يوم القيامة. ثم استثنى الله تعالى فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا أي: رَجَعوا عما كانوا فيه وأَصلَحوا أعمالهم وأحوالهم، وبيّنوا للناس ما كانوا كَتَموه، ﴿ فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة، إذا تاب إلى الله تاب الله عليه. ثم أَخبَر تعالى عمن كَفَر به واستمرّ به الحالُ إلى مماته بأنْ: ﴿ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أي: في اللعنة البالغة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحِبة لهم في نار جهنم التي ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ فيها، أي: لا يَنْقُص عَمَّا هم فيه، ﴿ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: لا يُغَيَّر عنهم ساعة واحدة، ولا يُفتَّر، بل هو متواصِل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.

الآية (163): يُخبرُ تعالى عن تَفَرُّدِه بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عَديل له، بل هو الأحد الفرد الصمد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.