حجم الخط:

الآيات (156-159)

الآية (156): ها ذاك الفصل الأول من الدعاء في دفع المحذور، وهذا لتحصيل المقصود: ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ أي: أَوجِبْ لنا، وأَثبِت لنا فيهما حسنة.

﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ أي: تُبْنَا ورجَعنا وأَنَبْنَا إليك. قاله ابن عباس وسعيد بن جُبَير ومجاهد وغير واحد. وهو كذلك لُغَةً.

يقول تعالى -مُجيبًا لموسى في قوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ الآية [الأعراف:155]-: ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي: أفعل ما أشاء، وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك. سبحانه لا إله إلا هو. وقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ آية عظيمة الشمول والعموم؛ كقوله تعالى إخبارا ًعن حَمَلة العرش ومن حوله أنهم يقولون: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7].

وعن سلمان عن النبي قال: «إن لله عز وجل مائةَ رحمةٍ، فمنها رحمة يتراحمُ بها الخلق، وبها تَعْطِفُ الوحوش على أولادها، وأَخَّرَ تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إلى آخرها، يعني: فسأُوجِبُ حُصُول رحمتي مِنَّةً مني وإحسانًا إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54].

وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: سأجعلها للمُتَّصِفِين بهذه الصفات، وهم أمة محمد ؛ ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: الشرك والعظائم من الذنوب، ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ قيل: زكاة النفوس. وقيل: الأموال. ويُحتَمَل أن تكون عامةً لهما؛ فإن الآية مكيَّة، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ أي: يُصَدِّقُون.

الآية (157): ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وهذه صفةُ محمد في كتب الأنبياء؛ بشَّرُوا أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم؛ عن عبد الله بن عمرو قال: إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحِرْزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، اسمك المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صَخَّاب في الأسواق، ولا يَجزِي بالسيئةِ السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به قلوبًا غُلفًا، وآذانًا صُمًّا، وأعينًا عُميًا» [رواه البخاري].

وقوله تعالى: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ هذه صفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الكتب المتقدمة، وهكذا كانت حاله عليه السلام؛ لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شرٍّ. ومن أهم ذلك وأعظمه: ما بعثه الله تعالى به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

وقوله: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ أي: يُحِلُّ لهم ما كانوا حَرَّموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحامى ونحو ذلك، ممَّا كانوا ضَيَّقوا به على أنفسهم، ويُحرِّم عليهم الخبائث. قال ابن عباس: كلَحْم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرَّمها الله تعالى.

قال بعض العلماء: كل ما أحلَّ الله تعالى فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرَّمه فهو خبيث ضارٌّ في البدن والدين.

وقوله: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ أي: إنه جاء بالتيسير والسماحة؛ كما ورد عن رسول الله أنه قال: «بُعِثتُ بالحنيفية السمحة» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

وقد كانت الأمم الذين قبلنا في شرائعهم ضيقٌ عليهم، فوسَّع الله على هذه الأمة أمورها، وسهَّلها لهم؛ ولهذا قال رسول الله : «إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تقل أو تعمل» [متفق عليه]. وقال: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهُوا عليه» [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني]. وقوله: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي: عَظَّمُوه ووَقَّرُوه، وقوله: ﴿ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي: القرآن والوحي الذي جاء به مُبَلِّغًا إلى الناس، ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: في الدنيا والآخرة.

الآية (158): يقول تعالى لنبيِّه ورسوله محمد : ﴿ قُلْ يا محمد: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، ﴿ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تُحصَر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورةً: أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلِّهِم؛ عن أبي موسى قال: قال رسول الله : «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي رجل من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ صفة الله تعالى في قوله ﴿ رَسُولُ اللَّهِ أي: الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربُّه ومليكُه، الذي بيده الملك والإحياء والإماتة، وله الحكم. وقوله: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَخْبَرَهُمْ أنه رسول الله إليهم، ثم أَمَرَهم باتِّبَاعه والإيمان به، ﴿ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ أي: الذي وُعِدْتُم به وبُشِّرْتُم به في الكتب المتقدِّمة؛ فإنه منعوت بذلك في كتبهم؛ ولهذا قال: ﴿ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ أي: يُصَدِّقُ قولُه عملَه، وهو يؤمن بما أُنزل إليه مِن ربِّه، ﴿ وَاتَّبِعُوهُ أي: اسلكوا طريقه واقتفوا أَثَرَه، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: إلى الصراط المستقيم.

الآية (159): يقول تعالى مُخبرًا عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتَّبعون الحق ويعدلون به؛ كما قال تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران:113]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران:199].