الآية (16): يصفُ تعالى عباده المتقين الذين وعدَهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ﴾ أي: بك وبكتابك وبرسولك ﴿ فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ أي: بإيماننا بك وبما شرعتَهُ لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا مِن أمرِنا بفضلك ورحمتك ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾.
الآية (17): ثم قال: ﴿ الصَّابِرِينَ ﴾ أي: في قيامهم بالطاعات وتركِهم المحرمات ﴿ وَالصَّادِقِينَ ﴾ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة ﴿ وَالْقَانِتِينَ ﴾ والقنوت: الطاعة والخضوع ﴿ وَالْمُنْفِقِينَ ﴾ أي: من أموالهم في جميع ما أُمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسدّ الخَلَّات، ومواساة ذوي الحاجات ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ دلَّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ينزلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى سمَاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِر فيقولُ: هَلْ مِنْ سَائل فأعْطِيَه؟ هَلْ مِنْ دَاع فَأسْتجيبَ له؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر فأغْفِرَ لَهُ؟» الحديث.
الآية (18): شهد تعالى -وكفى به شهيدًا، وهو أصدق الشاهدين وأعدَلهم، وأصدق القائلين- ﴿ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي: المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: ﴿ لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ الآية [النساء:166]. ثم قرن شهادة ملائكته وأُوْلي العلم بشهادته فقال: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام ﴿ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ ﴾ منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ تأكيد لما سبق ﴿ الْعَزِيزُ ﴾ الذي لا يُرام جنابه عظمةً وكبرياءً، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في أقواله وأفعاله وشرعِه وقدَرِه.
الآية (19): إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ، الذي سدّ جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ، فمن لقي الله بعد بعثة محمد ﷺ بدِين على غير شريعته، فليس بمُتَقبَّل، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران:85]، وقال في هذه الآية مُخبِرًا بانحصار الدين المتقبّل عنده في الإسلام: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ ﴾.
ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضَهم بُغْضُ البَعْض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقًا، ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: من جحد بما أنزل الله في كتابه ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.
الآية (20): قال تعالى: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ ﴾ أي: فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له ولا ندّ له، ولا ولد، ولا صاحبة له ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ ﴾ على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف:108]. ثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعِه وما بعثه الله به: الكتابيِّين من الملتين والأميين من المشركين فقال: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ ﴾ أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويُضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وما ذاك إلا لحكمته ورحمته. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته ﷺ إلى جميع الخلق، كما هو معلومٌ من دينه ضرورةً، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمِن ذلك قوله تعالى:﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف:158]، وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ يَهُوديّ وَلا نَصْرَانِي، ومَاتَ وَلم يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسلتُ بِهِ، إلا كان مِنْ أَهْلِ النَّارِ» [رواه مسلم].
الآية (21-22): هذا ذمٌّ من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديمًا وحديثًا، التي بلَّغَتْهُم إياها الرسل، استكبارًا عليهم وعنادًا لهم، وتعاظُمًا على الحق واستنكافا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلّغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعَوهم إلى الحقّ ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْط النَّاسِ» [رواه مسلم].
ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: مُوجع مهين ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾.