حجم الخط:

الآيات (16-24)

الآية (17)[1]: هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاده لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه: عند المساء؛ وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح؛ وهو إسفار النهار عن ضيائه.

الآية (18): ثم اعترض بحمده، مناسبةً للتسبيح وهو التحميد، فقال: ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: هو المحمود -على ما خلق- في السموات والأرض. قوله: ﴿ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ فالعشاء هو: شدة الظلام، والإظهار: قوة الضياء. فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴿٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:3-4].

الآية (19): قوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط؛ فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك: إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. قوله: ﴿ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كقوله: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ إلى قوله: ﴿ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [يس:33-34]. ولهذا قال ههنا: ﴿ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ .

الآية (20): قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الدالة على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب ﴿ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ فأصلكم من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظامًا شكله على شكل الإنسان ثم كسا الله تلك العظام لحمًا، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير. ثم خرج من بطن أمه صغيرًا ضعيف القُوَى والحركة، ثم صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب مَتن البحور، ويدور أقطارَ الأرض ويتكسب ويجمع الأموال. فسبحان من أقدَرَهُم وسَيّرهم وسخّرهم وصرَّفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكرة، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة؛ ولهذا قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ . عن أبي موسى قال: قال رسول الله : «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحَزْن، وبين ذلك» [رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني].

الآية (21): ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي: خلق لكم من جنسكم إناثًا يَكُنَّ لكم أزواجًا، ﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا كما قال: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف:189]، يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر. ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكورًا وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن ﴿ مَوَدَّةً وهي المحبة، ﴿ وَرَحْمَةً وهي الرأفة؛ فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمته بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

الآية (22): قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الدالة على قدرته العظيمة ﴿ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها، وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار.

قوله: ﴿ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ يعني: اللغات؛ فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تَتَرٌ لهم لغة أخرى، وهؤلاء كَرَج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بَرْبر، وهؤلاء تكْرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى في اختلاف بني آدم. واختلاف ألوانهم -وهي حلاهم[2]- فجميع أهل الأرض -بل أهل الدنيا- منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة: كلٌ له عينان، وحاجبان، وأنف، وجبين، وفم، وخدّان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهرًا كان أو خفيًا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئة لا تشبه الأخرى. ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ .

الآية (23): قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: ومن الآيات ما جعل لكم في صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب. وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار، وهذا ضد النوم، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي: يعون.

الآية (24): قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الدالة على عظمته أنه ﴿ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا أي: تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، أو صواعق مُتلِفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه؛ ولهذا قال: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، أي: بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]. وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .