حجم الخط:

الآيات (160-183)

الآية (160-164): يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله لوط عليه السلام، وهو: لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليلعليه السلام، وكان الله تعالى قد بَعَثَه إلى أمةٍ عظيمةٍ في حياة إبراهيم عليه السلام وكانوا يسكنون «سدَوُم» وأعمالها التي أهلَكَها الله بها، وجَعَل مكانها بُحيرةً منتنةً خبيثةً، وهي مشهورة ببلاد الغور، بناحية جبال البيت الـمُقَدَّسِ، فدَعَاهم إلى الله عز وجل ، أن يَعبدُوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بَعَثَه الله إليهم، ونَهَاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم، ممَّا لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله، من إتيان الذُّكْران دون الإناث.

الآية (165-175): لَـمَّا نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأَرشَدَهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خَلقَهُن الله لهم، ما كان جوابهم له إلا أن قالوا: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ أي: عمَّا جئتنا به، ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ أي: ننفيك من بين أظهرنا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56]، فلمَّا رأى أنَّهم لا يرتدعون عمَّا هم فيه، وأنهم مستمرُّون على ضلالتهم، تَبَرَّأ منهم، وقال: ﴿ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ أي: الـمُبغِضِين، لا أُحِبُّه ولا أَرضَى به؛ فأنا بَرِيءٌ منكم.

ثم دعا الله عليهم فقال: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ قال الله تعالى: ﴿ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ أي: كلهم ﴿ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهَلَكَت مع من بقي من قومها، حين أَمَرَه الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يَلتَفِتُون إذا سَمعُوا الصَّيحَة حين تَنزِل على قومه، فصَبَروا لأمر الله واستمرُّوا، وأَنزَل الله على أولئك العَذَاب الذي عَمَّ جميعَهم، وأَمْطَر عليهم حجارةً من سجيل منضود؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ﴿١٧٢ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا إلى قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .

الآية (176-180): أصحاب الأَيْكَة: هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يَقُلْ هنا «أخوهم شعيب»؛ لأنهم نُسِبوا إلى عبادة الْأَيْكَةِ، وهي شَجَرة. وقيل: شَجَرٌ مُلْتَفٌّ كالغَيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لَـمَّا قال: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ لم يَقُل: «إذ قال لهم أخوهم شعيب»، وإنما قال: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ، فقطع نِسبةَ الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نُسِبوا إليه، وإن كان أخاهم نَسَبًا. ومن الناس من لم يَفْطَن لهذه النُّكْتَة، فظَنَّ أن أصحاب الأَيْكَة غير أهل مدين، فزَعَم أن شعيبًا عليه السلام بَعَثَه الله إلى أُمَّتين، ومنهم من قال: ثلاث أُمَم.

والصحيح أنهم أمة واحدة، وُصِفُوا في كل مقام بشيء؛ ولهذا وَعَظَ هؤلاء وأَمَرَهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواءً بسواء، فدلَّ ذلك على أنهم أمة واحدة.

الآية (181-183): يأمرهم عليه السلام بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: ﴿ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ أي: إذا دَفَعْتم إلى الناس فكَمِّلُوا الكَيْلَ لهم، ولا تَبخَسوا الكيل فتُعْطُوهُ نَاقِصًا، وتأخذوه -إذا كان لكم- تامًّا وافيًا، ولكن خُذُوا كما تُعطُون، وأَعْطُوا كما تَأخُذون.

﴿ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ والقسطاس هو: الميزان، وقيل: القَبَّانُ. وقال قتادة: القسطاس: العَدْلُ.

وقوله: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ : أي: تَنْقُصوهم أموالهم، ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يعني: قَطْع الطريق، كما في الآية الأخرى: ﴿ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ [الأعراف:86].