حجم الخط:

الآيات (163-170)

الآية (163): [سبب النزول]: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال سُكَين وعَدِيّ بن زيد: يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ إلى آخر الآيات. ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين. ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا والزبور: اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام.

الآية (164-165): قوله ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها. وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد .

قوله: ﴿ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ أي: خلقًا آخرين لم يُذكروا في القرآن. قوله: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا وهذا تشريف لموسى عليه السلام بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم.

قوله: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب.

قوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبيّن ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ [طه:134] وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين».

الآية (166): لما تضمن قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] إلى آخر السياق إثبات نبوته ، والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال تعالى: ﴿ لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أي: وإنْ كفَر به من كفَر به ممن كذّبك وخالفك؛ فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو: القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؛ ولهذا قال: ﴿ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة، التي لا يعلمها نبي مُرسل ولا ملَك مقرّب، إلا أن يُعْلِمَه الله به. عن عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السُّلَمي القرآنَ، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذتَ علم الله، فليس أحدٌ اليوم أفضلَ منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله: ﴿ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا . وقوله: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ أي: بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى لك بذلك ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا .

[سبب النزول]: عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله جماعةٌ من اليهود، فقال لهم: «إني لأعلم والله - إنكم لتعلمون أني رسول الله». فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا .

الآية (167-169): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق، وسَعوْا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبَعُدُوا منه بُعدًا عظيمًا شاسعًا. ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصدّ عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم ولا يهديهم ﴿ طَرِيقًا أي: سبيلًا إلى الخير ﴿ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ وهذا استثناء منقطع ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا .

الآية (170): قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ أي: قد جاءكم محمد -صلوات الله وسلامه عليه- بالهدى ودين الحق، والبيان الشافي من الله عز وجل، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم. ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم:8]، وقال ههنا: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغَوَاية فيُغويه ﴿ حَكِيمًا أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.