حجم الخط:

الآيات (17-24)

الآية (17): ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا أي: فكانت عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له، مصيرهما إلى نار جهنم خالدين فيها، ﴿ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ أي: جزاء كل ظالم.

الآية (18): عن جرير قال: كنا عند رسول الله في صدر النهار، فجاءه قوم حُفَاة عُراة مُجْتَابي النمار -أو: العَبَاء- مُتَقَلِّدي السيوف، عامتهم من مُضَر، بل كلهم من مُضَر، فتغير وجه رسول الله لِمَا رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام الصلاة، فصلى ثم خطب، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إلى آخر الآية [النساء:1]. وقرأ الآية التي في الحشر: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [رواه مسلم].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أمر بتقواه، وهي تشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر. ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ تأكيد ثان. ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير.

الآية (19): ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أي: لا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل الصالح الذي ينفعكم في معادكم؛ فإن الجزاء من جنس العمل. ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ أي: الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم؛ كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9].

الآية (20): ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله يوم القيامة؛ كما قال: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21]. في آيات أخر دالات على أن الله تعالى يكرم الأبرار، ويهين الفجار. قال: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ أي: الناجون المسلَّمون من عذاب الله عز وجل.

الآية (21): يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن، ومبينًا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد والوعيد الأكيد: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته، لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه، لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع، وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟! ولهذا قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . وقد قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ الآية [الرعد:31]. وقد تقدم أن معنى ذلك: أي لكان هذا القرآن. وقد قال تعالى: ﴿ [البقرة:74].

الآية (22): ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكلُّ ما يُعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة، أي: يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات. ﴿ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ المراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

الآية (23): ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ أي: المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة. ﴿ الْقُدُّوسُ قال وهب بن منبه: أي الطاهر. وقال مجاهد: أي المبارك. وقال ابن جريج: تقدسه الملائكة الكرام. ﴿ السَّلَامُ أي: من جميع العيوب والنقائص؛ بكماله في ذاته وصفاته وأفعاله. ﴿ الْمُؤْمِنُ قال ابن عباس: أمَّن خلقه من أن يظلمهم. وقال قتادة: أمَّن بقوله: إنه حق. وقال ابن زيد: صَدّق عبادَه المؤمنين في إيمانهم به. ﴿ الْمُهَيْمِنُ قال ابن عباس: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى: هو رقيب عليهم؛ كقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج:9].

﴿ الْعَزِيزُ أي: الذي قد عزّ كل شيء فقهره، وغلب الأشياء فلا يُنال جَنَابه؛ لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه؛ ولهذا قال: ﴿ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ أي: الذي لا تليق الجَبْرّية إلا له، ولا التكبر إلا لعظمته، كما في الصحيح: «العَظَمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عَذَّبته» [رواه مسلم]. وقال قتادة: الجبار: الذي جَبَر خلقه على ما يشاء. وقال ابن جرير: الجبار: المصلحُ أمورَ خلقه، المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم. وقال قتادة: المتكبر: يعني عن كل سوء. ثم قال: ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ .

الآية (24): ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الخلق: التقدير، والبَراء: هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدَّره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدَّر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل. ومنه يقال: قدَّر الجلَّاد[1] ثم فَرَى، أي: قطع على ما قدّره بحسب ما يريده. قوله: ﴿ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ أي: الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار؛ كقوله: ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:8] ولهذا قال: ﴿ الْمُصَوِّرُ أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها. ﴿ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله : «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة». قوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كقوله: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: فلا يرام جَنَابه ﴿ الْحَكِيمُ في شرعه وقدره.