الآية (17): ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بالصبر على أذاهم، ومبشرًا له على صبره بالعاقبة والنصـر والظفر: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٧﴾ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿١٨﴾ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴿١٩﴾ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾. يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه السلام: أنه كان ذا أيد، والأيد: القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس وابن زيد والسدي: الأَيْد: القوة. وقرأ ابن زيد: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [الذاريات:47]. وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة. وقال قتادة: أُعطي داود عليه السلام قوة في العبادة، وفقهًا في الإسلام. وقد ذُكر لنا أنه عليه السلام كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر. وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى». وإنه كان أوابًا، وهو الرجّاع إلى الله عز وجل في جميع أموره وشؤونه.
الآية (18-19): قوله: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴾ أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ﴾ [سبأ:10]. وكذلك كانت الطير تسبّح بتسبيحه، وتُرجّع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور، لا تستطيع الذهاب، بل تقف في الهواء، وتسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات، ترجّع معه، وتسبّح تبعًا له؛ ولهذا قال: ﴿ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ﴾ أي: محبوسة في الهواء، ﴿ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾ أي: مطيع يسبح تبعا له. قال سعيد بن جبير، وقتادة، وزيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾ أي: مطيع.
الآية (20): قوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴾ أي: جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك. قال مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانًا. ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ ﴾ قال مجاهد: يعني: الفهم والعقل والفطنة. وقال مرة: الحكمة والعدل. وقال مرة: الصواب. وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه. وقال السُّدي: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ النبوة. ﴿ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾ قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب: الشهود والأيمان. وقال قتادة: شاهدان على المدعي، أو يمين المدَّعَى عليه، هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل -أو قال: المؤمنون والصالحون- وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهم ذلك. وقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام وفي الحكم. وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير. وكذا قال الشعبي: فصل الخطاب: «أما بعد».
الآية (21-25): قوله: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر ألا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تَسَوَّرا عليه المحراب، أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما. وقوله: ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾ أي: غَلَبني. يقال: عز يعز: إذا قهر وغلب. وقوله: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ قال ابن عباس: أي اختبرناه. وقوله: ﴿ وَخَرَّ رَاكِعًا ﴾ أي: ساجدًا ﴿ وَأَنَابَ ﴾ ويحتمل أنه ركع أولًا، ثم سجد بعد ذلك. ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ﴾ أي: ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد اختلف الأئمة في سجدة «ص» هل هي من عزائم السجود؟ على قولين، الجديد من مذهب الشافعي أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال في السجود في «ص»: ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها [ورواه البخاري]. وعن العَوَّام قال: سألت مجاهدًا عن سجدة «ص» فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ... أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام:84-90]، فكان داود عليه السلام ممن أُمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله ﷺ [رواه البخاري]. وعن أبي سعيد الخدري، قال: «قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر «ص»، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزّن[1] الناس للسجود، فقال: «إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزّنْتُم». فنزل وسجد، وسجدوا» تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح. قوله: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أي: وإن له يوم القيامة لقُربة يقرّبه الله عز وجل بها، وحُسن مرجع، وهو الدرجات العاليات في الجنة، لتوبته وعدله التام في ملكه، كما جاء في الصحيح: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا» [رواه مسلم].
الآية (26): هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله. وقد توعَّد تعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد؛ عن إبراهيم أبي زرعة - وكان قد قرأ الكتاب- أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة؛ فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أقول؟ قال: قل في أمان. قلت: يا أمير المؤمنين، أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله عز وجل جمع له النبوة والخلافة، ثم توعَّده في كتابه فقال: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾. وقال عكرمة: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ هذا من المقدم والمؤخر؛ لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا. وقال السُّدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب. وهذا القول أمشى على ظاهر الآية، والله سبحانه الموفق للصواب.