حجم الخط:

الآيات (170-176)

الآية (170-171): ﴿ وَإِذَا قِيلَ لهؤلاء الكفرة من المشركين: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على رسوله، واتركوا ما أنتم فيه من الضلال والجهل، ﴿ قَالُوا في جواب ذلك: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا أي: وَجَدْنا ﴿ عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أي: من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ أي: الذين يَقتَدون بهم ويَقتفون أَثَرَهم ﴿ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ أي: ليس لهم فَهْمٌ ولا هدايةٌ. ثم ضَرَب لهم تعالى مثلًا، كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ [النحل:60]، فقال: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: فيما هم فيه من الغيّ والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تَفْقَهُ ما يُقال لها، بل إذا نَعَقَ بها رَاعِيها - أي: دعاها إلى ما يُرشِدُها- لا تَفْقَهُ ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. وقيل: إنما هذا مثل ضُرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تُبصر ولا تَعقل شيئًا، اختاره ابن جرير، والأول أولى؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تُبصره، ولا بَطْش لها ولا حياة فيها.

﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ أي: صُمٌّ عن سماع الحق، بُكْمٌ لا يتَفَوَّهون به، عُمْيٌ عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه.

الآية (172-173): يقول تعالى آمرًا عبادَه المؤمنين بالأكل من طَيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه على ذلك، إن كانوا عَبِيدَهُ، والأكل من الحلال سَبَبٌ لتقبّل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبولَ الدعاء والعبادة، كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أَمَر المؤمنين بما أَمَر به المرسلين، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ، ثم ذَكَر الرجل يُطِيلُ السفر أَشَعَث أَغْبَر، يمدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطعَمُه حرام، ومَشرَبُه حرام، ومَلبَسُه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُسْتَجاب لذلك؟!» [رواه مسلم]. ولما امتنَّ تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل مِن طَيِّبِهِ، ذَكَر أنه لم يُحَرّم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حَتْف أنفها من غير تَذْكِيَةٍ، وسواءً كانت مُنخنقةً أو موقوذةً أو مُتَردِّيةً أو نَطِيحةً، أو قد عدا عليها السَّبُعُ. وكذلك حَرَّم عليهم لحم الخنزير، سواءً ذُكِّي أو مات حَتْف أنفه، ويدخُلُ شَحْمُه في حكم لحمه، وحَرَّم عليهم ما أُهِلَّ به لغير الله، وهو ما ذُبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مما كانت الجاهلية يَنحرون له. ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فَقْدِ غيرها من الأطعمة، فقال: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ أي: في غير بَغْي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد، ﴿ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: في أكل ذلك، ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

قال قتادة: غير بَاغٍ في الميتة، أي: في أَكْلِه: أن يَتَعَدَّى حلالًا إلى حرام، وهو يَجِدُ عنه مَنْدُوحَةً.

الآية (174-176): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد في كتبهم التي بأيديهم، مما يَشْهَد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تَذهَب رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتُّحَف على تعظيمهم إياهم، فخَشُوا -لعنهم الله- إن أظهروا ذلك أن يَتَّبعه الناس ويتركوهم، فكَتَموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نَزْرٌ يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعْتَاضُوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النَّزْر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا: فإن الله أَظهَر لعباده صِدْقَ رسوله، بما نَصَبَه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصَدَّقه الذين كانوا يَخَافون أن يَتَّبِعُوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباؤوا بغضب على غضب، وذمَّهم الله في كتابه في غير موضع. من ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وهو عَرَض الحياة الدنيا، ﴿ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كِتمان الحق نارًا تَأجَّجُ في بطونهم يوم القيامة، ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنَّهم كَتَموا وقد عَلِموا، فاستحقُّوا الغضب، فلا يَنْظُر إليهم ﴿ وَلَا يُزَكِّيهِمْ أي: يُثْنِي عليهم ويَمْدَحُهم، بل يُعذِّبُهم عذابًا أليمًا. ثم قال تعالى مُخبرًا عنهم: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ أي: اعْتَاضُوا عن الهدى، وهو نَشْر ما في كتبهم من صفة الرسول وذِكْر مَبعَثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتِّبَاعه وتصديقه - استبدلوا عن ذلك واعْتَاضُوا عنه بالضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم، ﴿ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ أي: اعْتَاضُوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطَوْه من أسبابه المذكورة. ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ : يُخبر تعالى أنَّهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجَّبُ مَن رآهم فيها مِن صَبرهم على ذلك، من شدة ما هم فيه من العذاب والنَّكال والأغلال، عياذًا بالله من ذلك. وقيل: أي فما أَدْوَمهم لعمل المعاصي التي تُفضِي بهم إلى النار. ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ أي: إنما استحقُّوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد وعلى الأنبياء قبله كُتُبَه بتحقيق الحقّ وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونَشْرِه، فخالفوه وكذَّبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يُكَذِّبُونه ويُخالفونه ويَجحدونه، ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقُّوا العذاب والنكال.

الآية (177): اشتملت هذه الآية الكريمة، على جُمَل عظيمة، وقواعدَ عميقَة، وعقيدة مستقيمة. فإن الله تعالى لـمَّا أَمَر المؤمنين أوَّلًا بالتَّوَجُّه إلى بيت المقدس، ثم حَوَّلهم إلى الكعبة، شَقَّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأَنزَل الله تعالى بيانَ حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل وامتثال أوامره، والتَّوَجُّه حيثما وَجَّهَ، واتباع ما شَرَع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التَّوَجُّه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بِرٌّ ولا طاعةٌ، إن لم يكن عن أَمْرِ الله وشَرْعه. فمن اتَّصف بهذه الآية، فقد دَخَل في عُرَى الإسلام كلها، وأَخَذَ بمجامع الخير كلِّه، وهو الإيمان بالله، وصدَّق بوجود الملائكة الذين هُم سَفَرَةٌ بين الله ورسله، ﴿ وَالْكِتَابِ يشمل الكُتُب المنزَّلة من السماء على الأنبياء، حتى خُتِمَت بأشرفها، وهو القرآن، وآمن بأنبياء الله كلِّهم. ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ أي: أَخْرَجَه، وهو مُحِبٌّ له، راغبٌ فيه. كما في حديث أبي هُرَيرة مرفوعًا: «أفضل الصَّدقة أن تَصَدَّقَ وأنت صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى، وتَخشَى الفقر» [متفق عليه]. وقال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ [الإنسان:8]. وقال: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وقوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] نَمَطٌ آخرُ أَرْفَع من هذا، وهو: أنهم آثَرُوا بما هم مضطرُّون إليه، وهؤلاء أَعطَوا وأَطعَموا ما هم مُحِبُّون له. وقوله: ﴿ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وهم: قرابات الرجل، وهم أَولى الناس بكَ وَبِبِرِّكَ وإعطائكَ. ﴿ وَالْيَتَامَىٰ هم: الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضُعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسُّب. ﴿ وَالْمَسَاكِينَ وهم: الذين لا يَجدون ما يكفيهم في قوتهم وكِسْوَتهم وسُكناهم، فيُعطَون ما تُسَدُّ به حاجتهم وَخَلَّتُهُمْ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه» ﴿ وَابْنَ السَّبِيلِ وهو: المسافر الـمُجتاز الذي قد فَرَغَت نَفَقَتُه فيُعْطَى ما يُوصِلُه إلى بلده، وكذا الذي يُريد سفرًا في طاعة، فيُعْطَى ما يَكفِيه في ذَهَابه وإيابه. ويَدخل في ذلك الضَّيف، كما قال ابن عباس: ابن السبيل هو الضيف الذي يَنْزِلُ بالمسلمين. ﴿ وَالسَّائِلِينَ وهم: الذين يَتَعَرَّضُون للطَّلَب فيُعْطَون من الزكوات والصدقات. ﴿ وَفِي الرِّقَابِ وهم: الْـمُكَاتَبُون الذين لا يَجِدُون ما يؤدُّونه في كِتابتهم. وقوله: ﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ أي: وَأَتـَـمَّ أفعالَ الصلاة في أوقاتها بركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخُشوعها، على الوجه الشَّرعي الْـمَرْضِيِّ. ﴿ وَآتَى الزَّكَاةَ يُحْتَمَلُ أن يكون المراد به: زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]. ويُحتمل أن يكون المرادُ زكاة المال، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التَّطوع والبرُّ والصلة. وقـوله: ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ؛ كقـوله: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: 20] وعَكْس هذه الصفة: النفاق. كما صح الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء. ﴿ وَحِينَ الْبَأْسِ أي: في ساحة القتال والْتِقَاء الأعداء ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا الذين اتَّصفُوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم؛ لأنهم حقَّقوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.

الآية (178-179): يقول تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ العدلُ في القِصاص -أيُّها المؤمنون- حُرُّكم بِحُرِّكم، وعَبْدُكم بعَبْدِكم، وأُنْثَاكم بأُنْثَاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا، كما اعتدى من قبلكم وغيَّروا حكم الله فيهم، فأَمَر الله بالعدل في القصاص، و[أن] لا يُتَّبَع سبيل المفسدين المحرِّفين، المخالِفين لأحكام الله فيهم، كفرًا وبغيًا. ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ : قال ابن عباس: أن يَقبل الدية في العمد. ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ قال ابن عباس: يُؤَدِّي المطلوب بإحسان. ﴿ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ إنما شَرَع لكم أخذَ الدِّيَة في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمةً بكم، مما كان محتومًا على الأمم قبلكم، من القتل أو العفو، عن ابن عباس قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو. ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ فمن قَتَل بعد أَخْذ الدية أو قبولها، فَلَه عذاب من الله أليم مُوجِع شديد. ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ وفي شَرْع القصاص لكم -وهو قتل القاتل- حكمة عظيمة، وهي بقاء الـمُهَج وصَوْنُها؛ لأنه إذا عَلِم القاتلُ أنه يُقْتَل انكفَّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياةُ النفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنْفَى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفْصَح وأبلغ وأوْجَز: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ .

﴿ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يا أولي العقول والأفهام والنُّهَى، لعلكم تَنْزَجِرُون فتتركون محارم الله وَمَآثِمَه، و«التقوى»: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.

الآية (180-181): اشتملت هذه الآية على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين وقد كان ذلك واجبًا -على أصح القولين- قبل نزول آية المواريث، فلما نَزَلت آية الفرائض نُسخت هذه، وصارت المواريث المقدَّرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتماً من غير وصية ولا تحمل منّة الموصى، عن عَمْرو بن خارجة مرفوعًا: «إن الله قد أَعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث» [رواه الترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا أي: مالًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قَلَّ المال أو كَثُر كالوراثة، ومنهم من قال: إنما يُوصِي إذا تَرَك مالًا جزيلًا. ﴿ بِالْمَعْرُوفِ أي: بالرِّفق والإحسان، يُوصي لأقرَبِيه وَصيَّةً لا تُجْحِفُ بورثته، من غير إسرافٍ ولا تَقتير كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال: يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: «لا» قال: فبالشطر؟ قال: «لا» قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فمن بدَّل الوصية وحَرَّفها، فغيَّرَ حُكمها وزاد فيها أو نَقَص -ويَدخُل في ذلك الكِتمان لها بطريق الأَوْلى- ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ، وقد وَقَع أَجْر الميت على الله، وتعلَّق الإثم بالذين بَدَّلُوا ذلك، ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: قد اطَّلَع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدَّله الْـمُوصَى إليهم.