حجم الخط:

الآيات (18-23)

الآية (18): قال تعالى رادًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بَنُوْهُ وله بهم عناية، وهو يُحِبُّنا. ومعلوم أنهم لم يدَّعوا لأنفسهم من البُنوَّة ما ادَّعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا من ذلك مَعَزَّتَهُم لديه وحظْوتهم عنده، ولهذا قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أي: لو كنتم -كما تدَّعون- أبناءه وأحباءه، فلِمَ أُعدِّتْ لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟! عن أنس قال: مرَّ النبي في نفرٍ من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يُوْطَأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! وسعَتْ فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتُلقي ولدها في النار. فقال: «لا! والله ما يُلقِي حبيبه في النار» [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ أي: هو فعَّال لِـما يُريد، لا مُعَقِّب لحكمه، وهو سريع الحساب. ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، ﴿ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده ما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور.

الآية (19): يقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا خاتم النبيين، الذي لا نبيَّ بعده ولا رسول، بل هو الْـمُعَقِّب لجميعهم. ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم. وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة، والمشهور أنها ستمائة سنة؛ عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «إن أولى الناس بابن مريم لَأَنَا؛ ليس بيني وبينه نبيٌّ» [رواه البخاري]، والمقصود: أن الله بعث محمدًا على فترة من الرسل، وطُمُوس من السُّبُل، وتَغَيُّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتمَّ النعم، والحاجة إليه أمرٌ عَمَمْ؛ فإن الفساد كان قد عَمَّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين؛ عن عياض بن حِمَار أن النبي قال: «إن الله عز وجل نَظَرَ إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُم، عجَمَهم وعَرَبَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب» [رواه مسلم]. وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلِّهم، حتى بَعَث الله محمدًا ، فهَدَى الخلائق، وأَخرَجَهم الله به من الظلمات إلى النور، وتَرَكَهم على المحَجَّة البيضاء، والشريعة الغرَّاء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ أي: لئلا تَحْتَجُّوا وتقولوا-يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه-: ما جاءنا من رسول يُبَشِّر بالخير ويُنذِر من الشر، ﴿ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ يعني محمدًا ، ﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . قال ابن جرير: معناه: إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني.

الآية (20-21): يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكَلِيمِه موسى ابن عمران عليه السلام، فيما ذَكَّر به قومه نعَمَ الله عليهم وآلاءه لديهم، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة، فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ أي: كلَّما هلك نبي قام فيكم نبي، من لَدُن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده. وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذِّرون نقمته، حتى خُتموا بعيسى عليه السلام، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وهو أشرف من كل مَن تقدَّمه منهم . ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجل فقال: ألَسْنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك [رواه مسلم]. وقال السُّدي: يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله. وفي الحديث: «من أصبح منكم مُعَافى في جسده، آمنًا في سِربه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها» [رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني]. ﴿ وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يعني: عَالَـمِي زمانكم؛ فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16]. والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًا، وأعظم مُلكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالًا وأولادًا، وأوسع مملكة، وأدْوَم عِزًّا؛ قال الله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، وقال: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]. ثم قال تعالى مُخبرًا عن تحريض موسى عليه السلام بني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى عليه السلام، بالدخول إليها وبقتال أعدائهم، وبَشَّرهم بالنصرة والظفر عليهم، فَنَكَلُوا وَعَصوْا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التِّيه والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصدٍ، مُدّةَ أربعين سنة، عقوبةً لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى، فقال تعالى مخبرًا عن موسى أنه قال: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أي: المطهرة. وقال ابن عباس: هي الطور وما حوله. ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي: التي وعدَكُموها الله على لسان أبيكم إسرائيل: أنه وِرَاثَةُ من آمن منكم، ﴿ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ أي: ولا تنكلوا عن الجهاد ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ .

الآية (22-23): ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة -التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها- قومًا جبارين، أي: ذوي خلقٍ هائلة، وقوًى شديدةً، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مُصَاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلا فلا طاقة لنا بهم. ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى عليه السلام، حَرّضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه. وقرأ بعضهم: «مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ» أي: ممن لهم مهابة وموضع من الناس. ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: متى توكَّلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نَصَرَكم الله على أعدائكم وأَيَّدَكم وظَفَّرَكُمْ بهم، ودخلتم البلدة التي كَتَبَها لكم. فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا.