حجم الخط:

الآيات (182-186)

الآية (182): ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا قال ابن عباس وغيره: الجَنَف: الخطأ. وهذا يَشمَل أنواع الخطأ كلَّها، بأن زاد وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيءَ الفُلانيّ محاباةً، أو أوصى لابن ابنته ليزيدَها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقُوّة شفقته من غير تَبَصُّرٍ، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوَصِيِّ -والحالةُ هذه- أن يُصْلِحَ القضية، ويُعَدِّلَ في الوصية على الوجه الشرعي. ويَعدِلَ عن الذي أَوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبَه الأمور به، جمعًا بين مقصود الموصِي والطريق الشَّرعي. وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء.

الآية (183-184): يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمة وآمِرًا لهم بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنيَّةٍ خالصة لله عز وجل، لِـما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرَّذيلة. وذَكَر أنه كما أَوجَبه عليهم فقد أَوجَبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان؛ ولهذا ثبت في الصحيحين: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». ثم بَيّن مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم، لِئلا يشقَّ على النفوس فتضعُف عن حَمْله وأدائه، بل في أيام معدودات.

ثم بيَّن حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لِـما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بِعِدَّة ذلك من أيام أُخَر. وأما الصحيح المقيم الذي يُطِيق الصيام، فقد كان مُخيَّرًا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أَفْطَر، وأَطعَم عن كل يوم مسكينًا، وإن صام فهو أفضل من الإطعام. ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ، عن سَلَمة بن الأكوع قال: كان من أراد أن يُفْطر يَفتَدِي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها [رواه البخاري]. ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قال عبد الله [بن مسعود]: يَتَجَشَّمُونه. ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ يقول: أَطْعَمَ مسكينًا آخر ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، فكانوا كذلك حتى نسختها: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . وقال ابن عباس: ليست منسوخة، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كل يوم مسكينًا [رواه البخاري]. فحاصل الأمر: أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، بقوله: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وأما الشيخ الفاني الـهَرِم الذي لا يستطيع الصيام فله أن يُفْطر ولا قضاءَ عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكَّن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه [خفف] عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني -وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء-: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم. ومما يلتحِق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما.

الآية (185): يمدح تعالى شهرَ الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينِهن لإنزال القرآن العظيم فيه... [فـ]القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]. وقال: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، ثم نَزَل بعدُ مفرَّقًا بحسب الوقائع على رسول الله . وقوله: ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ : هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدًى لقلوب العباد ممن آمن به وصدَّقه واتَّبعه ﴿ وَبَيِّنَاتٍ أي: ودلائل وحُجَجًا بيِّنةً واضحةً جليةً لمن فَهِمَها وتدبَّرها دالةً على صحة ما جاء به من الهدى النافي للضلال، والرَشَد المخالف للغَي، ومفرِّقًا بين الحق والباطل، والحلال والحرام. وقوله: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ : هذا إيجاب حَتْمٍ على من شَهِد استهلال الشهر -أي كان مقيمًا في البلد حين دَخَل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه- أن يصوم لا محالة. ونَسَخت هذه الآيةُ الإباحة المتقدِّمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يُفطِر ويفدِي بإطعام مسكين عن كل يوم. ولما حتَّم الصيام أعاد ذِكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار، بشـرط القضاء فقال: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ من كان به مرض في بدنه يَشُقّ عليه الصيام معه، أو يؤذيه، أو كان في حال سفر -فله أن يُفطِر، فإذا أَفطَر فعليه عدة ما أفْطَرَه في السفر من الأيام. وههنا مسائل تتعلق بهذه الآية : [الأولى]: ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر؛ لقوله: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ والصحيح قول الجمهور، أن الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله × في شهر رمضان. قال: «فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» [رواه مسلم]. فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائمًا، لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.

[الثانية]: القضاء، لا يجب [فيه] التتابع، بل إن شاء فرق، وإن شاء تابع. وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر.؛ ولهذا قال: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أي: إنما أرْخَصَ لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليُسـر، وإنما أَمَركم بالقضاء لتُكمِلوا عدَّة شهركم. ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:200].

﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده.

الآية (186): عن أبي موسى [قال: قال رسول الله ]: «يا أيها الناس، ارْبعُوا على أنفسكم؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا؛ إن الذي تدعون أقربُ إلى أحدكم من عُنُق راحلته» [متفق عليه]. والمراد من هذا: أنه تعالى لا يخيب دعاء داعٍ، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء. وفيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يَضِيْع لديه تعالى. وفي ذِكْره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، مُتَخَلِّلَةً بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العِدّة، بل وعندَ كلّ فطر.