حجم الخط:

الآيات (187-190)

الآية (187): هذه رُخْصة من الله تعالى للمسلمين، ورَفْعٌ لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة. فوجدوا من ذلك مَشَقة كبيرة. «والرفث» هنا هو: الجماع. قاله ابن عباس. وقوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ : قال ابن عباس: يعني هن سَكَنٌ لكم، وأنتم سكن لهن. وقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن. وحاصله: أنّ الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويُمَاسه ويضاجعه، فناسب أن يُرَخَّص لهم في المجامعة في ليل رمضانَ، لئلا يشقّ ذلك عليهم، ويحرجوا. [سبب النزول] عن البراء رضي الله عنه قال: «لما نزل صومُ رمضان كانوا لا يقرَبُون النساء رَمَضَان كُلّه، وكان رجَالٌ يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ [رواه البخاري].

وقوله: ﴿ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ قال أبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وغيرهم: يعني الولد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: الجماع. وقوله: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أباح تعالى الأكل والشرب، مع ما تقدم من إباحة الجماع، في أيّ الليل شاء الصائمُ، إلى أن يتبين ضياءُ الصباح من سواد الليل، وعبَّر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ . وفي إباحته تعالى جوازَ الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب. وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ يقتضي الإفطار عند غُرُوب الشمس حكمًا شرعيًا، كما جاء عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله : «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم» [متفق عليه].

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ قال ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرّم الله عليه أن ينكح النساء ليلًا أو نهارًا حتى يقضي اعتكافه. ثم المراد بالمباشرة: إنما هو الجماع ودواعيه، من تقبيل، ومعانقة ونحو ذلك، فأما مُعاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به. وقوله: ﴿ تِلْكَ أي: هذا الذي بيَّناه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه، وما أبَحْنا فيه وما حرَّمنا، وذِكْرنا غاياته ورُخَصه وعزائمه، ﴿ حُدُودُ اللَّهِ : أي: شرعها الله وبيَّنها بنفسه ﴿ فَلَا تَقْرَبُوهَا أي: لا تجاوزوها، وتعتدوها. ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ أي: كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يَعْرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون.

الآية (188): قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بَيِّنة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثمٌ آكِلُ حرامٍ.

وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة: أنّ رسولَ الله قال: «ألا إنما أنا بَشَر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحَن بحجّته من بعض، فأقضيَ له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَلْيَحْمِلْهَا، أو ليذَرْها». فدلَّت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أنّ حُكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلّ في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالًا هو حلال، وإنما هو مُلْزِم في الظاهر، فإن طابق ما في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أَجرُه وعلى المحتال وِزْره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: تعلمون بُطلان ما تدّعونه وتروّجون في كلامكم.

قال قتادة: اعلم -يا ابن آدم- أنّ قضاء القاضي لا يُحِل لك حرامًا، ولا يُحقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى ويشهد به الشهود، والقاضي بَشَرٌ يخطئ ويصيب، واعلموا أنّ من قُضيَ له بباطل أنّ خصومته لم تَنْقَضِ حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمُحق بأجودَ مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا.

الآية (189): ﴿ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ قال أبو العالية: جَعَلَهَا الله مواقيت لصَوْم المسلمين وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومَحَلّ دَيْنهم. وقوله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [سبب النزول] عن البراء قال: «كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتَوْا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا » [رواه البخاري]. وقوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ غداً إذا وقفتم بين يديه، فيجزيكم بأعمالكم على التمام والكمال.

الآية (190): قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ : هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله يقاتل من قاتله، ويكف عَمَّن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة. وفي هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ إنما هو تَهْييج وإغراء بالأعداء الذين هِمّتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36].

وقوله: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك. ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي من المَثُلة، والغُلُول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرُّهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة. ولهذا جاء عن بُرَيدة أنّ رسول الله كان يقول: «اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفَر بالله، اغزوا ولا تَغُلّوا، ولا تَغْدروا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدًا» [رواه مسلم].