حجم الخط:

الآيات (187-194)

الآية (187): هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخَذ عليهم العهد على أَلْسِنَةِ الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ، وأن ينوِّهوا بذكره في الناس ليكونوا على أُهْبَةٍ مِن أمرِه، فإذا أرسله الله تابَعُوه، فكتموا ذلك وتعوَّضوا عما وُعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتُهم، وبئست البيعة بيعتُهم. وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلَك بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المرويّ مِن طرُق متعددة عن النبي أنه قال: «من سُئِل عن عِلْم فكَتَمه أُلْجِمَ يوم القيامة بِلجَامٍ من نار» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

الآية (188): قوله تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا الآية، يعني بذلك: الـمُرائين المتكثرين بما لم يُعْطَوا، كما جاء عن رسول الله : «من ادَّعَى دَعْوى كاذبة لِيتَكَثَّر بها لم يَزِدْه الله إلا قِلَّة» [رواه مسلم]. [سبب النزول]: عن أبي سعيد الخدري أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله كان إذا خرَج رسول الله إلى الغزو تَخَلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ، فإذا قَدم رسول الله من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [رواه البخاري].

وقوله: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ يُقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء على الإخبار عنهم، أي: لا يحسِبُن[1] أنهم ناجون من العذاب، بل لا بد لهم منه؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .

الآية (189): ثم قال: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: هو مالك كُل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا نقمته وغضبه، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدَر منه.

الآية (190): معنى الآية أنه يقول تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهَدة العظيمة مِن كواكبَ سيّارات، وثوابتَ، وبحار، وجبال وقفار، وأشجار ونبات، وزروع وثمار، وحيوان ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص، ﴿ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أي: تعاقبُهما وتَقَارضُهما الطول والقصر، فتارة يطُول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلًا، وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم؛ ولهذا قال: ﴿ لِأُولِي الْأَلْبَابِ أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جليَّاتها، وليسوا كالصُّم البُكْم الذين لا يعقلون.

الآية (191): ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: يفهمون ما فيهما من الحكَم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته. وقد ذمّ الله تعالى مَنْ لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدَره وآياته، فقال: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:105-106]، ومدح عباده المؤمنين: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قائلين: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا أي: ما خلقت هذا الخلق عَبَثًا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

ثم نزّهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ أي: عَنْ أن تخلق شيئًا باطلًا ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أي: يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل، يا من هو مُنزَّه عن النقائص والعيب والعبث، قِنَا من عذاب النار بحولك وقوَّتك وَقيّضْنَا لأعمال ترضى بها عنا، ووفّقنا لعملٍ صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتُجيرنا به من عذابك الأليم.

الآية (192-193): ثم قالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ أي: أهَنْتَهُ وأظهرت خِزيَه لأهل الجَمع ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ أي: يوم القيامة لا مُجِير لهم منك، ولا مَحِيد لهم عما أردت بهم، ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أي: داعيًا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﴿ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ۚ فَآمَنَّا ۚ أي: فاستجبنا له واتبعناه ﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا أي: بإيماننا واتباعنا نبيك، أي: استرها ﴿ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا أي: فيما بيننا وبينك ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ أي: ألحقنا بالصالحين.

الآية (194): ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ قيل: معناه: على الإيمان برسلك. وقيل: معناه: على أَلْسِنَةِ رُسلك. وهذا أظهَر.

﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أي: على رؤوس الخلائق ﴿ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرتَ عنه رسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك. وقد ثبت أن رسول الله كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجُّده، فعن ابن عباس قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثُلث الليل الآخر قَعد فنظر إلى السماء، فقال: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ثم قام فتوضأ واستَنَّ. فصلى إحدى عَشْرَة ركعة. ثم أذّن بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح [متفق عليه].