حجم الخط:

الآيات (19-42)

الآية (19-25): ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ قال ابن عباس: أي أرسلَهما. ﴿ يَلْتَقِيَانِ : قال ابن زيد: أي: منعهما أن يَلْتَقِيا، بما جَعَل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما.

﴿ الْبَحْرَيْنِ المِلْح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وقد اختار ابن جرير أن المراد: بحر السماء وبحر الأرض، وهو مروي عن مجاهد وابن جبير وعطية وابن أبْزَى. قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يَتَوَلَّد من ماء السماء، وأصداف بحر الأرض. وهذا، وإن كان هكذا، لكن ليس المراد بذلك ما ذَهَب إليه؛ فإنه لا يُسَاعده اللفظ؛ فإنه تعالى قد قال: ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ أي: وجَعَل بينهما برزخًا، وهو: الحاجز من الأرض، لئلا يَبْغِي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيُفْسِد كلُّ واحد منهما الآخر، ويُزِيله عن صِفَته التي هي مقصودة منه. وما بين السماء والأرض لا يُسَمَّى ﴿ بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53].

﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ أي: من مجموعهما، فإذا وُجِدَ ذلك لأحدهما كفى؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:130] والرُّسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجِن، وقد صَحَّ هذا الإطلاق. واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل: هو صغار اللؤلؤ. وقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون. وعن ابن مسعود قال: الـخَرَز الأحمر. ولَـمَّا كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض، امتنَّ بها عليهم فقال: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .

﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ يعني: السفن التي تجري في البحر، قال مجاهد: ما رَفَعَ قِلْعَهُ[1] من السفن فهي مُنْشَأَةٌ، وما لم يَرْفَعْ قِلْعَهُ فليس بمُنْشَأَة، وقال قتادة: يعني المخلوقات. ﴿ كَالْأَعْلَامِ أي: كالجبال في كِبَرِها، وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قُطْر إلى قُطْر، وإقليم إلى إقليم، ممَّا فيه من صلاح للناس في جَلْب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع؛ ولهذا قال تعالى ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .

الآية (26-30): يُخْبِرُ تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب -تعالى وتقدَّس- لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]. وقد نَعَتَ تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ أي: هو أهلٌ أن يُجَلَّ فلا يُعْصَى، وأن يُطَاعَ فلا يُخَالَفُ. قال ابن عباس: ﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ذو العظمة والكبرياء.

ولَـمَّا أخبر عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل قال: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .

﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ هذا إخبار عن غناه عمَّا سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن. وقال مجاهد: كل يوم هو يُجِيبُ دَاعِيًا، ويَكْشِف كَرْبًا، ويُجِيبُ مُضْطَرًّا، ويَغْفِرُ ذَنْبًا.

الآية (31-36): قال ابن عباس في قوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ : وعيد من الله للعباد، وليس بالله شُغْلٌ. وقال البخاري: سَنُحَاسِبكم، لا يَشْغَلُه شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يُقَال: «لَأَتَفَرَّغَنَّ لك» وما به شُغْل. ﴿ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ الثقلان: الإنس والجن ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .

ثم قال: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ۚ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أي: لا تستطيعون هَرَبًا من أَمْرِ الله وقَدَره، بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التَّخَلُّصِ من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذَهَبْتُم أُحِيْطَ بكم، وهذا في مقام المحشر: الملائكة مُحْدِقَة بالخلائق، فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أي: إلا بأَمْر الله. ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ قال ابن عباس: هو لهب النار، ﴿ وَنُحَاسٌ قال ابن عباس: دخان النار. وقال مجاهد: النحاس: الصُّفر، يُذَابُ فيُصَبُّ على رؤوسهم. وكذا قال قتادة. وقال الضحاك: سيل من نحاس. والمعنى على كل قول: لو ذَهَبتم هاربين يوم القيامة لرَدَّتْكُمُ الملائكة والزبانية بإرسال اللَّهَب من النار والنحاس الـمُذَاب عليكم لِتَرْجِعوا؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴿٣٥ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ؟!

الآية (37-42): ﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ يوم القيامة، كقوله: ﴿ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:16]. وقوله: ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ أي: تذوب كما يذوب الدّرْدي[2] والفضة في السَّبْك، وتتلوَّن كما تَتَلَوَّن الأصباغ التي يُدْهَنُ بها، حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم.

عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ : هو الأديم الأحمر. وقال مجاهد: ﴿ كَالدِّهَانِ : كألوان الدهان. وقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ، وهذه كقوله: ﴿ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ ﴿٣٥ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات:35-36]، فهذا في حال، وثَمّ حال يُسْأَلُ الخلائق فيها عن جميع أعمالهم؛ قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93]؛ ولهذا قال قتادة: قد كانت مسألة، ثُمَّ خُتِمَ على أفواه القوم، وتَكَلَّمَتْ أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. قال ابن عباس: لا يسألهم: هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لِـمَ عملتم كذا وكذا؟ فهو قول ثان. وقال مجاهد في هذه الآية: لا يَسْأَل الملائكةُ عن المجرم، يُعْرَفُون بسيماهم. وهذا قول ثالث. وكأنَّ هذا بعد ما يُؤْمَرُ بهم إلى النار؛ فذلك الوقت لا يُسأَلون عن ذنوبهم، بل يُقَادُون إليها ويُلْقَون فيها؛ كما قال تعالى: ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ أي: بعلامات تظهر عليهم. وقال الحسن وقتادة: يعرفونهم باسوداد الوجوه وزُرقة العيون. قلتُ: وهذا كما يُعرَف المؤمنون بالغُّرَّة والتحجيل من آثار الوضوء. وقوله: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ أي: تَجْمَع الزبانية ناصيته مع قدميه، ويُلْقُونه في النار كذلك. وقال ابن عباس: يُؤْخَذ بناصيته وقَدَمه، فيُكْسَر كما يُكْسَر الحطب في التنور. وقال الضحاك: يُجْمَع بين ناصيته وقَدَمَيه في سلسلة من وراء ظهره، ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .