حجم الخط:

الآيات (19-47)

الآية (19-22): ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ دعاء عليه، ﴿ ثُمَّ نَظَرَ أي: أعاد النظرة والتروّي، ﴿ ثُمَّ عَبَسَ أي: قبض بين عينيه وقطّب، ﴿ وَبَسَرَ أي: كلح وكره.

الآية (23-25): ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ أي: صُرف عن الحق، ورجع القهقرى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن، ﴿ فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره عمن قبله ويحكيه عنهم؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ أي: ليس بكلام الله.

[سبب النزول]: هذا المذكور في هذا السياق هو: الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤساء قريش، وكان من خبره في هذا ما رواه ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة! فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذْيٍ من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله. فلما سمع بذلك النفرُ من قريش ائتمروا فقالوا: والله لئن صبأ الوليد [لتصْبَأَنَّ][1] قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه. فانطلق حتى دخل عليه بيته فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدَقة؟! فقال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا. فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه. فقال الوليد: أقد تحدّث به عشيرتي؟! فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة، ولا عمر، ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر. فأنزل الله على رسوله : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا إلى قوله: ﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ .

وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعلَى، وما أشك أنه سحر. فأنزل الله: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ الآية، ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ قبض ما بين عينيه وكلح. وقد زعم السُّدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليُجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه، قبل أن يقدم عليهم وفودُ العرب للحج ليصدّوهُم عنه، فقال قائلون: شاعر. وقال آخرون: ساحر. وقال آخرون: كاهن. وقال آخرون: مجنون. كما قال تعالى: ﴿ [الإسراء:48] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، فقال: ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ .

الآية (26-30): قال الله عز وجل: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ أي: سأغمره فيها من جميع جهاته.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ هذا تهويل لأمرها وتفخيم. ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعَصَبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون.

﴿ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قال مجاهد: للجلد. وقال أبو رَزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل. وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها. وقال قتادة: ﴿ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ أي: حراقة للجلد. وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان. ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ أي: من مُقَدّمي الزبانية، عَظيم خَلْقهم، غليظ خُلُقُهم.

الآية (31): ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ أي: خُزَّانها، ﴿ إِلَّا مَلَائِكَةً أي: زبانية غلاظًا شدادًا؛ وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟! فقال الله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً أي: شديدي الخَلْق لا يُقاوَمون ولا يغالبون.

﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: إنما ذكرنا عِدّتهم أنهم تسعةَ عشرَ اختبارًا منَّا للناس، ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أي: [ليعلموا] أن هذا الرسول حق؛ فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله. ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ أي: إلى إيمانهم. بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ، ﴿ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: من المنافقين ﴿ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ؟! أي: يقولون: ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟! قال: ﴿ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.

﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى. وقد ثبت في حديث الإسراء عن رسول الله أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: «فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه، آخر ما عليهم» [متفق عليه]. ﴿ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ قال مجاهد وغير واحد: ﴿ وَمَا هِيَ أي: النار التي وصفت، ﴿ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ .

الآية (32-37): قال: ﴿ كَلَّا وَالْقَمَرِ ﴿٣٢ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ أي: ولى، ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ أي: أشرق، ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ أي: العظائم، يعني: النار، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد من السلف. ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴿٣٦ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أي: لمن شاء أن يقبل النّذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.

الآية (38-47): يقول تعالى مخبرًا أنْ: ﴿ أي: معتقلة بعملها يوم القيامة، قاله ابن عباس وغيره. ﴿ فإنهم ﴿ أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم:﴿ أي: ما عبدنا ربنا ولا أحسنّا إلى خلقه من جنسنا، ﴿ أي: نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوي غاوٍ غوينا معه، ﴿ يعني: الموت؛ كقوله: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] وقال رسول الله : «أما هو - يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربه» [رواه البخاري].