حجم الخط:

الآيات (20-23)

الآية (20-22): أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأةً ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذَنَّ مما كان أصدق الأولى شيئًا، ولو كان قنطارًا من مال. وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق، ثم رجع عن ذلك. ولهذا قال [تعالى] مُنكرًا: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ أي: وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيتَ إليها وأفضَتْ إليك؟ قال ابن عباس، ومجاهد، والسدّي، وغير واحد: يعني بذلك: الجماع. وقد ثبت أن رسول الله قال للمُتلاعِنَين بعد فراغهما مِن تلاعنهما: «لا مال لك؛ إن كنت صدَقْت فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعَد لك منها» [رواه البخاري ومسلم]. وقوله: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: أن المراد بذلك العَقْد. وعن ابن عباس قال: إمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان. عن جابر أن رسول الله قال: «واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتُم فُروجهن بِكَلِمَة الله» [رواه مسلم]. قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ يُحرِّم تعالى زوجات الآباء تَكرِمَةً لهم، وإعظامًا واحترامًا أن تُوطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه. وقد زعم السُّهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولاً به في الجاهلية. وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مُبَشَّعٌ غاية التبشُّع، ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا مقتًا أي: بُغْضًا، أي: هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله؛ ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة؛ لأنهن أمهات، لكونهن زوجات النبي ، وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حُبُّه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه. وقال عَطاء بن أبي رَباح في قوله: ﴿ وَمَقْتًا أي: يمقت الله عليه ﴿ وَسَاءَ سَبِيلًا أي: وبئس طريقًا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيُقتل، ويصير ماله فيئًا لبيت المال. عن البراء بن عازب، قال: مرَّ بي عمِّي الحارث بن عمرو، ومعه لواء قد عقده له النبي فقلت له: أي عم، أين بعثك النبي ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني].

الآية (23): هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب، وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصِّهر. وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: ﴿ وَبَنَاتُكُمْ ؛ فإنها بنت فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ابن حنبل. وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها؛ لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء:11]. فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية. والله أعلم، وقوله: ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ أي: كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك؛ ولهذا جاء عن عائشة أن رسول الله قال: «إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة» [متفق عليه]، وقوله: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على بنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. وأما الربيبة -وهي بنت المرأة- فلا تحرم بمجرد العقد على أمها، حتى يدخل بها، فإنْ طلَّق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها؛ ولهذا قال: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدَهُن. وقد فهم بعضُهم عَود الضمير إلى الأمهات والربائب، فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها؛ لقوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ . وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الأم، بخلاف الأم فإنها تحرم بمجرد العقد. وقوله: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ أي: وحُرّمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يَتَبَنَّونهم في الجاهلية، كما قال تعالى:﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ الآية [الأحزاب:37].

وروى ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مُبهمات: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ ، ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ .

معنى مُبهمات: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه. وقوله: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين، إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا: على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح. ومن أسلم وتحته أختان خُيِّر، فيُمسِك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. عن فيروز قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمَرني النبي أن أطلق إحداهما [رواه أحمد وأصحاب السنن، وحسنه الألباني].

وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضًا لعموم الآية، وهذا هو المشهور عن الجمهور: الأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. وقال ابن عبد البر: وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ إلى آخر الآية: أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذَّ عنها.