الآية (20): ﴿ أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي: بل كانوا تحت قهره وغَلَبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة، ولكن ﴿ يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ [إبراهيم:42]، وفي الصحيحين: «إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذَه لم يُفْلته»؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ أي: يضاعف عليهم العذاب؛ وذلك لأن الله تعالى جعل لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صُمًّا عن سماع الحق، عُميًا عن اتباعه؛ كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك:10]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ﴾ [النحل:88]؛ ولهذا يُعذَّبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه؛ ولهذا كان أصحَّ الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة.
الآية (21-22): ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا نارًا حامية، فهم مُعذّبون فيها لا يُفَتَّر عنهم من عذابها طرفة عين؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ [الإسراء:97]. ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: ذهب عنهم ﴿ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تُجْدِ عنهم شيئًا، بل ضرّتهم كل الضرر؛ كما قال الخليل لقومه: ﴿ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [العنكبوت:25]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خُسْرِهِمْ ودمارهم. ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴾ يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة؛ لأنهم اعتاضوا عن نعيم الجنان بحميمٍ آن، وعن الحور العين بطعام من غِسْلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
الآية (23): لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثَنَّى بذكر السُّعَداء، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت قلوبهم وعَملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولًا وفعلًا، وبهذا ورثوا الجنات المشتملة على الغُرَف العاليات، والسُّرر المصفوفات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات، وهم في ذلك خالدون، لا يموتون ولا يهرمون ولا يمرضون، ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رَشْحُ مِسكٍ يعرقون.
الآية (24): ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين، فقال: ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ﴾ أي: الذين وصفهم أولًا بالشقاء، والمؤمنين السُّعَداء، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع. فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا، وفي الآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصمّ عن سماع الحجَج، فلا يسمع ما ينتفع به ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ الآية [الأنفال:23]، وأما المؤمن ففَطِن ذكي لبيب، بصير بالحق، يميز بينه وبين الباطل، فيتبعُ الخير ويترك الشر، سميعٌ للحجة، يفرق بينها وبين الشُّبهة، فلا يَرُوج عليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ قوله: ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء؟! كما قال في الآية الأخرى: ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [الحشر:20].
الآية (25-27): يخبر تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: ظاهر النّذَارَة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله؛ ولهذا قال: ﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾. وقوله: ﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: إن استمررتم على ما أنتم عليه عَذَّبكم الله عذابًا أليمًا مُوجعًا شاقًا في الدار الآخرة. قوله: ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾ الملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾ أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أُوحي إليك من دوننا؟! ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا؛ كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تَرَوٍّ منهم ولا فكرة ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ أي: في أول بادئ الرأي، ﴿ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ﴾ يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خَلْق ولا خُلُق، ولا رزق ولا حال، لَـمَّا دخلتم في دينكم هذا ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ أي: فيما تَدَّعونه لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها. هذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم؛ فإنه ليس بعارٍ على الحق رَذَالة من اتبعه؛ فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء. ثم الواقع غالبًا أنَّ ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته. وقولهم: ﴿ بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ ليس بمذمة ولا عيب؛ لأن الحق إذا وضح لا يبقى للتروي ولا للفكر مجال، والرسل إنما جاؤوا بأمر جلي واضح. وقولهم: ﴿ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ﴾ هم لا يرون ذلك؛ لأنهم عُمْي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفَّاكون الكاذبون، الأقلون الأرذلون، وفي الآخرة هم الأخسرون.
الآية (28): يقول تعالى مخبرًا عما ردَّ به نوح على قومه في ذلك: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ أي: على يقين وأمر جلي، ونبوة صادقة، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: خفيت عليكم، فلم تهتدوا إليها، ولا عرفتم قدرها، بل بادرتم إلى تكذيبها ورَدِّها، ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي: نغصبكم بقبولها ﴿ وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾.