الآية (20-25): ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴿٢٠﴾ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزل الله عز وجل على رسوله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم: أنهم إنما هِمّتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة. قال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴾ من النضارة، أي: حسنةٌ بَهِيَّة مشرقة مسرورة، ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ أي: تراه عيانًا، كما رواه البخاري: «إنكم سترون ربكم عَيَانا». وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تُضَارُّون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سَحَاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنكم تَرَونَ ربكم كذلك» [متفق عليه]. ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عز وجل في العرصات، وفي روضات الجنات. وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهُداة الأنام. ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴿٢٤﴾ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة. قال قتادة: كالحة. وقال السدي: تغير ألوانها. وقال ابن زيد: ﴿ بَاسِرَةٌ ﴾ أي: عابسة. ﴿ تَظُنُّ ﴾ أي: تستيقن ﴿ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ قال مجاهد: داهية. وقال قتادة: شر. وقال السدي: تستيقن أنها هالكة. وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار.
الآية (26-40): يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال فقال: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾ إنْ جعلنا ﴿ كَلَّا ﴾ رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم تكذّب هناك بما أُخبرتَ به، بل صار ذلك عندك عيانًا. وإنْ جعلناها بمعنى (حقًّا) فظاهر، أي: حقًّا إذا بلغت التراقى، أي: انتُزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك. والتراقى: هي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق. ﴿ وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ ﴾؟ قال ابن عباس: أي من راق يرقى؟ قال أبو قلابة: أي: من طبيب شاف؟ وعن ابن عباس [أيضًا]: قيل: من يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة.
وعن ابن عباس: ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴾ قال: التفّت عليه الدنيا والآخرة. وكذا قال: آخر يوم في الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله. وقال عكرمة: ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴾ الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري: هما ساقاك إذا التفَّتا. ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾ أي: المرجع والمآب؛ وذلك أن الروح تُرفع إلى السموات، فيقول الله عز وجل: ردُّوا عبدي إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. ﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ﴿٣١﴾ وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبًا للحق بقلبه، متوليًا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنًا ولا ظاهرًا. ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ ﴾ أي: جَذلان أشِرًا بَطِرًا كسلان لا همة له ولا عمل؛ كما قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴿١٣﴾ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ أي: يرجع ﴿ بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ [الانشقاق:13-15]. وقال ابن عباس: ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ ﴾ أي: يختال. وقال قتادة: يتبختر. ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴿٣٤﴾ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ هذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به المتبختر في مشيه، أي: يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكُّم والتهديد؛ كقوله: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان:49]. ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ قال السُّدي: يعني: لا يُبعث. وقال مجاهد: يعني لا يؤمر ولا يُنهى. والظاهر أن الآية تعُمُّ الحالين؛ أي: ليس يُترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا يُنهى، ولا يُترك في قبره سدى لا يُبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة. والمقصود هنا إثبات المعاد، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال مستدلًّا على الإعادة بالبداءة: ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ ﴾؟! أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين؟! ﴿ يُمْنَىٰ ﴾ يُراق من الأصلاب في الأرحام. ﴿ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾ أي: فصار علقة، ثم مضغة، ثم شُكّل ونُفخ فيه الروح، فصار خلقًا آخر سَويًّا سليم الأعضاء، ذكرًا أو أنثى بإذن الله وتقديره؛ ولهذا قال: ﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ ﴾. ﴿ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ﴾؟ أي: أمَا هذا الذي أنشأ هذا الخلق السويّ من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه؟! وتناولُ القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة، وإما مساوية على القولين في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم:27]. والأول أشهر.