الآية (20-24): ثم قال ممتنًّا على خلقه ومحتجًّا على الإعادة بالبَدَاءة: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾؟! أي: ضعيف حقير بالنسبة إلى قُدرَة الباري عز وجل، ﴿ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ يعني: جمعناه في الرّحِم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرحم مُعَدّ لذلك، حافظ لما أودع فيه من الماء.
وقوله: ﴿ إِلَىٰ قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ يعنى: إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر؛ ولهذا قال: ﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴿٢٣﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾.
الآية (25-26): ثم قال: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ﴿٢٥﴾ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴾ قال ابن عباس: ﴿ كِفَاتًا ﴾ كنًّا. وقال مجاهد: يُكْفَتُ الَميت فلا يُرَى منه شيء. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم.
وكذا قال مجاهد وقتادة.
الآية (27-28): ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ﴾ يعني: الجبال، أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب. ﴿ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴾ عذبًا زُلالًا من السحاب، أو مما أنبعه الله من عيون الأرض.
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها، ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.
الآية (29-31): يقول تعالى مخبرًا الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار، أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿ انْطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٩﴾ انْطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ ﴾ يعني: لَهَبَ النار إذا ارتفع وصَعِدَ معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب، ﴿ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ أي: ظل الدخان المقابل لِلَهَبٍ لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب.
الآية (32-34): قوله: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ﴾ أي: يتطاير الشرر من لهبها كالقصر. قال ابن مسعود: كالحصون. وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم: يعني أصول الشجر.
﴿ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴾ أي: كالإبل السود. قاله مجاهد والحسن وقتادة، واختاره ابن جرير. وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: ﴿ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴾ يعني: حبال السفن. وعنه -أعني ابن عباس-: ﴿ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴾ قطع نحاس.
وروى البخاري عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ﴾ قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك، فنرفعه للشتاء، فنسميه القَصَـرَ، ﴿ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴾ حبال السفن، تُجمع حتى تكون كأوساط الرجال، ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾.
الآية (35-37): ثم قال تعالى: ﴿ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ ﴾ أي: لا يتكلمون ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ أي: لا يقدرون على الكلام، ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا، بل قد قامت عليهم الحجة، ووقع القولُ عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون. وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة، وعن هذه الحالة تارة؛ ليدل على شدّة الأهوال والزلازل يومئذ. ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾.
الآية (38-40): قوله: ﴿ هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ وهذه مخاطبة من الخالق لعباده يقول لهم: ﴿ هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴾ يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يُسمعُهم الداعي ويَنفُذهُم البصر.
﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد؛ أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتَنجُوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك؛ كما قال تعالى ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ [الرحمن:33]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ﴾ [هود:57]، وفي الحديث: «يا عبادي، إنكم لن تَبلُغوا نَفْعِي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضُرُّوني» [رواه مسلم].
الآية (41-43): ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك المحرمات: أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون؛ أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن.
﴿ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ أي: من سائر أنواع الثمار، مهما طلبوا وجدوا، ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم.
الآية (44-45): قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: ﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل، ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾.
الآية (46-50): قوله: ﴿ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ﴾ خطاب للمكذبين بيوم الدين، وأمَرَهم أمر تهديد ووعيد فقال تعالى: ﴿ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا ﴾ أي: مدة قليلة قريبة قصيرة، ﴿ إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ﴾ أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها، ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ﰀ﴾ كما قال تعالى: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [لقمان:24]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿٦٩﴾ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ﴾ [يونس:69-70].
وقوله: ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ أي: إذا أُمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة، امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه؛ ولهذا قال: ﴿ﰉ ﰊ ﰋ﴾. ثم قال: ﴿ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ﴾؟! أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن، فبأي كلام يؤمنون به؟! كقوله تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الجاثية:6].