حجم الخط:

الآيات (203-210)

الآية (203): قال ابن عباس: «الأيام المعدودات» أيام التشريق، و«الأيام المعلومات» أيام العَشْر. وقال عكرمة: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ يعني: التكبير أيامَ التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر، الله أكبر. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله : «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» [رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الألباني]. وعن نُبَيشة الهذلي قال: قال رسول الله : «أيام التشريق أيامُ أكل وشرب وذكر الله» [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة أن رسول الله بعث عبد الله بن حُذافة يطوف في منى: «لا تصوموا هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب، وذكر الله عز وجل» [رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني]. وقال ابن عباس: الأيام المعدودات: أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة بعده. ولما ذكر الله تعالى النَّفْر الأول والثاني، وهو تفرُّق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف، قال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، كما قال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المؤمنون:79].

الآية (204-207): ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عامٌّ في المنافقين كلِّهم وفي المؤمنين كلِّهم. ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ معناها: يُظْهرُ للناس الإسلام ويبارزُ الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ الآية [النساء:108]. وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح. ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ : الْأَلَدُّ في اللغة: الأعوج، ﴿ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم:97] أي: عُوجًا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يَكذِب ويَزْوَرُّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجُر، كما ثبت عن رسول الله أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» [رواه مسلم بمعناه]، وعن عائشة تَرْفَعُه قال: «إن أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصِم» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ أي: هو أعوج المقال، سيّئ الفعَال، فذلك قوله، وهذا فعله: كلامه كَذِب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي ههنا هو: القَصْد. كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ﴿٢٢ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ﴿٢٣ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ [النازعات:22-24]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسّي إلى الصلاة مَنهيٌّ عنه بالسنة النبوية: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة والوقار» [متفق عليه بمعناه]. فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: مَحلُّ نماء الزروع والثمار. والنسل، وهو: نتاج الحيوانات. اللذين لا قوَام للناس إلا بهما. ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ أي: لا يحب مَن هذه صفَته، ولا مَن يصدر منه ذلك. ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ أي: إذا وُعِظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ أي: هي كافيته عقوبة في ذلك. ولما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ . قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحبَّ أن يتجرّد منه ويهاجر فَعَل. فتخلَّص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية. وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 111].

الآية (208-209): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به، المصدّقين برسوله: أنْ يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.

عن مجاهد، وطاوس، والضحاك، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وابن زيد، في قوله: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ يعني: الإسلام.

وقال الضحاك، عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيع بن أنس: الطاعة. وقال قتادة أيضا: الموادعة.

وقوله: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ أي: اعملوا الطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:169]، و﴿ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وقوله: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ أي: عدَلتُم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحُجَجُ، ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يَغلبه غالب. ﴿ حَكِيمٌ في أحكامه، وَنَقْضِه وَإِبْرَامِه.

الآية (210): يقول تعالى مُهَدّدًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كُلّ عامل بعمله، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًا فشَرّ؛ ولهذا قال: ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴿٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴿٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ [الفجر:21-23]، وقال: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ الآية [الأنعام:158].