الآية (207-209): ﴿ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ أي: لو أَخَّرْنَاهُم وَأَنْظَرْنَاهُم، وأَمْلَينا لهم برهةً من الزمان وحِينًا من الدَّهر وإن طال، ثم جاءهم أَمْرُ الله، أَيُّ شيء يُجْدِي عنهم ما كانوا فيه من النعم؟! ثم قال الله تعالى مخبرًا عن عَدْله في خَلقه: أنَّه ما أَهْلَكَ أمةً من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم، والإنذار لهم وبَعْثَة الرسل إليهم وقيام الحجج عليهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ﴿٢٠٨﴾ ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾.
الآية (210-212): يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز: أنه نَزَلَ به الروح الأمين الـمُؤَيَّد من الله، ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴾. ثم ذَكَر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ما يَنْبَغِي لهم، أي: ليس هو من بُغْيتهم ولا من طِلْبَتِهِم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهُدًى وبرهان عظيم، فَبَيْنَهُ وبين الشياطين منافاة عظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ ﴾. وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أي: ولو انْبَغَى لهم لَـمَا استطاعوا ذلك. ثم بيَّن أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حَمْلَه وتأديته، لَـمَا وَصَلوا إلى ذلك؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله؛ لأن السماء ﱡﭐ مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﱠ [الجن: 8] في مُدَّة إنزال القرآن على رسوله، فلم يَخْلُص أحد من الشياطين إلى استماع حَرْف واحد منه، لئلا يَشتَبِهَ الأمر. وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ كما قال: ﱡﭐ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ٩ ﱠ [الجن: 9].
الآية (213-220): يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، ومُخبرًا أنَّ من أَشرَكَ به عَذَّبَه. ثم قال تعالى آمِرًا لرسوله ﷺ أن يُنْذِرَ عشيرته الأقربين؛ أي: الأدنين إليه، وأنه لا يُخَلِّص أحدًا منهم إلا إيمانهُ بربه عز وجل ، وأَمَرَه أن يُلِينَ جانبه لمن اتَّبَعه من عباد الله المؤمنين. ومن عصاه من خَلْق الله كائنًا من كان فلْيَتَبَرَّأ منه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. وهذه النّذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فَرْدٌ من أجزائها. وعن ابن عباس قال: لَـمَّا أَنْزَل الله عز وجل: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ أتى النبي ﷺ الصَّفَا فصَعَد عليه، ثم نادى: «يا صَبَاحَاهُ». فاجتمع الناس إليه بين رجل يَجِيءُ إليه، وبين رجل يَبْعَثُ رسوله، فقال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد الـمُطَّلِب، يا بني فِهْرٍ، يا بني لُؤَيٍّ، أرأيتُم لو أخبرتُكم أن خَيلًا بسَفْح هذا الجبل، تريد أن تُغِيرَ عليكم، صَدَّقْتُموني؟». قالوا: نعم. قال: «فإني نذير لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديدٍ. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم، أما دَعَوْتَنا إلا لهذا؟! وأَنزَلَ الله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد:1] [رواه البخاري].
وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ أي: في جميع أمورك؛ فإنه مُؤَيِّدك وحافظك ومُظَفِّرُكَ ومُعْلٍ كلمَتَك. وقوله: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أي: هو مُعْتَنٍ بك. قال ابن عباس: ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ يعني: إلى الصلاة. وقال عكرمة: يرى قيامه وركوعه وسجوده. وقال الحسن: إذا صليت وحدك. وقال الضحاك: من فراشك أو مجلسك. وقال قتادة: قائمًا وجالسًا وعلى حالاتك. وقوله: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾ قال قتادة: في الصلاة، يراكَ وحدك ويراك في الجَمْع. وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني والحسن البصري. ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لأقوال عباده، ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بحركاتهم وسكناتهم.
الآية (221-227): ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ﴾ أي: أخبركم ﴿ عَلَىٰ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿٢٢١﴾ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ أي: كذوب في قوله، وهو الأفاك. ﴿ أَثِيمٍ ﴾ أي: الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تَنَزَّلُ عليه الشياطين؛ كالكُهَّان وما جَرَى مجراهم من الكَذَبَة الفَسَقَة؛ فإن الشياطين أيضًا كَذَبَة فَسَقَة. ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ ﴾ أي: يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كَذْبة، ثم يُلْقُونَها إلى أوليائهم من الإنس فيَتَحَدَّثون بها، فيُصَدِّقُهم الناس في كل ما قالوه، بسبب صِدْقِهم في تلك الكلمة التي سُمِعَت من السماء؛ كما روى البخاري عن عائشة قالت: سأل ناس النبي ﷺ عن الكهان، فقال: «إنهم ليسوا بشيء». قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًا! فقال النبي ﷺ: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة».
﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ قال ابن عباس: يعني: الكفار يَتَّبِعُهُمْ ضُلَّالُ الإنس والجن. وكذا قال مجاهد وعبد الرحمن بن زيد وغيرهما. وقال عكرمة: كان الشاعران يَتَهَاجَيَان، فَيَنْتَصِر لهذا فِئَامٌ من الناس، ولهذا فِئَامٌ من الناس، فأنزل الله: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾.
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ قال ابن عباس: في كل لَغْوٍ يخوضون. وقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فن من الكلام. وكذا قال مجاهد وغيره، وقال قتادة: الشاعر يمدح قومًا بباطل، ويذم قومًا بباطل.
﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾ قال ابن عباس: أكثر قولهم يَكْذِبون فيه. وهذا الذي قاله ابن عباس هو الواقع في نَفْس الأمر؛ فإن الشعراء يتَبجَّحون بأقوال وأفعال لم تَصْدُر منهم ولا عنهم، فيَتَكَثَّرُون بما ليس لهم. والمراد من هذا: أن الرسول ﷺ الذي أُنزِل عليه القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر؛ لأن حاله منافٍ لحالهم من وجوه ظاهرة.
وقوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد: إن هذا استثناء ممَّا تقدَّم. ولا شكَّ أنه استثناء، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يَدْخُل فيه من كان مُتَلَبِّسًا من شعراء الجاهلية بذمِّ الإسلام وأهله ثم تاب وأناب، ورَجَعَ وأَقلَع، وعَمِل صالحًا، وذَكَر الله كثيرًا في مقابلة ما تَقَدَّم من الكلام السيئ؛ فإن الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات، وامتدح الإسلامَ وأهلَهُ في مقابلة ما كَذَب بذمِّه.
﴿ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ قيل: معناه: ذَكَروا الله كثيرًا في كلامهم. وقيل: في شِعْرهم، وكلاهما صحيح مُكَفِّر لِـمَا سَبَق.
﴿ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾ قال ابن عباس: يردُّون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد، كما ثبت أن رسول الله ﷺ قال لحسان: «اهجهم -أو قال: هاجهم-وجبريل معك» [متفق عليه]. ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة» [متفق عليه].
وقال قتادة: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ من الشعراء وغيرهم. وقيل: المراد بهم أهل مكة. وقيل: الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الآية عامَّة في كل ظالم.