الآية (21-22)[1]:
الآية (23-24): أمر الله تعالى بمُبَايَنة الكفار به، وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إذا ﴿ اسْتَحَبُّوا ﴾ أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتَوَعَّد على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ الآية [المجادلة:22].
ثم أمر تعالى رسوله أن يتَوَعَّد من آثَرَ أهله وقرابته وعشيرته على الله وعلى رسوله وجهادٍ في سبيله، فقال: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ أي: اكتسبتموها وحصلتموها، ﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾ أي: تحبونها لطيبها وحُسنها، أي: إن كانت هذه الأشياء ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾ أي: فانتظروا ماذا يحلُّ بكم من عقابه ونكاله بكم؛ ولهذا قال: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾. وعن زَهْرَة بن مَعْبَد، عن جده [عبد الله ابن هشام] قال: كنا مع رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال: والله لأنت يا رسول الله أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه». فقال عمر: فأنت الآن والله أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال رسول الله: «الآن يا عمر». [رواه البخاري]. وقد ثَبَت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسـي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» [متفق عليه].
الآية (25-26): يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بِعَدَدِهم، ولا بعُدَدِهم، ونبَّهَهم على أن النصر من عنده، سواءً قل الجمع أو كَثُر؛ فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدَى ذلك عنهم شيئًا فوَلَّوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ. ثم أنزل نَصْرَه وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، ليُعلِمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده وإن قلَّ الجمع، فـ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:249].
وقد كانت وقعة: «حُنين» بعد فتح مكة في شوال سنة ثمانٍ من الهجرة، وذلك لَـمَّا فَرَغَ ﷺ من فتح مكة، وتمهَّدت أمورها، وأسلمَ عامةُ أهلها، وأطلَقَهم رسول الله ﷺ، فبَلَغَه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم مالك بن عوف النَّضْري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جُشَم وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وقد أقبلوا معهم النساء والولدان والشاء والنَّعَم، وجاءوا بقَضِّهم وقَضِيضهم، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي جاء معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطُّلَقاء في ألفَين أيضًا، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بوادٍ بين مكة والطائف، يقال له: «حنين»، فكانت فيه الوقعة.
عن البراء بن عازب، أنه قال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين! فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يَفِرَّ، إن هوازن كانوا قومًا رُمَاةً، فلمَّا لقيناهم وحَمَلنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ -وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ البيضاء- وهو يقول: «أنا النبيُّ لا كذِبْ، أنا ابن عبدِ المطلبْ» [متفق عليه].
قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنه في مثل هذا اليوم في حَومة الوَغَى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لكرٍّ ولا لفرٍّ ولا لهرَب، وهو مع هذا أيضًا يُركِضها إلى وجوههم، ويُنوِّه باسمه ليَعرِفه من لم يَعرِفه، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وما هذا كلُّه إلا ثقةً بالله، وتوكُّلًا عليه، وعِلْمًا منه بأنه سينصره، ويُتِمّ ما أرسله به، ويُظهِر دينه على سائر الأديان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ أي: طمأنينته وثباته على رسوله، ﴿ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: الذين معه ﴿ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ وهم الملائكة.
وعن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حُنين، فولَّى عنه الناس، وبقيتُ معه في ثمانين رجلًا من المهاجرين والأنصار، قَدِمْنَا ولم نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء يمضي قُدُمًا، فحادَت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: «ناوِلْني كفًّا من التراب». فناولتُه، قال: فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابًا، قال: «أين المهاجرون والأنصار؟» قلت: هم هناك. قال: «اهتِفْ بهم». فهتفتُ، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشُّهُب، وولَّى المشركون أدبارهم [رواه البيهقي بلفظه، وأحمد بنحوه، وصحح إسناده أحمد شاكر].
وقال يزيد بن عامر السُّوَائي -وكان شهِد حُنينًا مع المشركين، ثم أسلم بعد- فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطَّسْت فيطنّ، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا [رواه الطبراني، ووثق رجاله الهيثمي].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «نُصِرْتُ بالرُّعْب، وأُوتِيتُ جوامع الكَلِم» [رواه مسلم]. ولهذا قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾.