حجم الخط:

الآيات (21-27)

الآية (21): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ يعني: طرائقه ومسالكه وما يأمر به، ﴿ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ هذا تنفير وتحذير من ذلك بأَفْصَح عبارة وأَوْجَزها وأَبْلَغِها وأَحْسَنِها. قال ابن عباس: ﴿ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ : عمله. وقال عكرمة: نَزَغَاته. وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا أي: لولا هو يَرزُقُ من يشاء التوبة والرجوع إليه، ويُزَكِّي النفوس من شِرْكها وفُجُورها ودَسِّها وما فيها من أخلاق رديئة، كل بحَسَبه، لَـمَا حَصَّل أحد لنفسه زكاةً ولا خيرًا، ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ أي: من خَلقِه، ويُضِلُّ من يشاء ويُردِيه في مَهَالِك الضَّلَال والغيِّ. ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوال عباده ﴿ عَلِيمٌ بمن يستحق منهم الهدى والضلال.

الآية (22): ﴿ وَلَا يَأْتَلِ من الأَلِيَّة، وهي: الـحَلِفِ، أي: لا يَحلِف ﴿ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ أي: الطَّوْل والصَّدَقَة والإحسان ﴿ وَالسَّعَةِ أي: الجِدَةَ؛ ﴿ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: لا تَحلِفُوا ألَّا تَصِلُوا قراباتكم المساكين والمهاجرين.

وهذه في غاية التَّرَفُّق والعَطْف على صِلَة الأرحام؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أي: عمَّا تقدَّم منهم من الإساءة والأذى، وهذا من حِلْمِه تعالى وكَرَمه ولُطْفِه بخَلقِه مع ظلمهم لأنفسهم.

[سبب النزول]: وهذه الآية نَزَلَت في الصِّدِّيق، حين حَلَفَ ألَّا يَنفَع مِسْطَح بن أُثَاثَة بنافعةٍ أبدًا بعدما قال في عائشة ما قال. فلمَّا أَنزَل الله براءةَ أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرَّت، وتاب الله على من كان تكلَّم من المؤمنين في ذلك، وأُقِيمَ الحدُّ على من أُقِيمَ عليه - شَرَع تبارك وتعالى يُعَطِّفُ الصِّدِّيقَ على قريبه ونسيبه، وهو مِسْطَح بن أُثَاثَة؛ فإنه كان ابن خالة الصِّدِّيق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما يُنْفِق عليه أبو بكر رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد وَلَق وَلْقَة[1] تاب الله عليه منها، وضُرب الحدَّ عليها. وكان الصِّدِّيق رضي الله عنه معروفًا بالمعروف، له الفَضْل والأيادي على الأقارب والأجانب. فلمَّا نَزَلَت هذه الآية إلى قوله: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ الآية -أي: فإن الجزاء من جنس العمل؛ فكما تَغفِر ذَنْبَ من أَذْنَبَ إليك يَغفِر الله لك، وكما تَصفَح يُصفَح عنك، فعند ذلك قال الصِّدِّيق: بلى، والله إنا نُحِبُّ أن تَغفِر لنا يا ربَّنا. ثم رَجَع إلى مِسْطح ما كان يَصِله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقابلة ما كان قال: والله لا أنفعه بنافعة أبدًا، فلهذا كان الصِّدِّيق هو الصِّدِّيق رضي الله عنه وعن ابنته.

الآية (23-25): هذا وعيدٌ من الله تعالى للذين يَرمُون الـمُحْصَنَات الغافلات المؤمنات -خُرِّج مَخرَج الغالب- فأُمَّهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل مُحصَنَة، ولا سيِّما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصِّدِّيق رضي الله عنهما. وقد أجمع العلماء قاطبةً على أن مَن سَبَّها بعد هذا فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الآية كقوله: ﱡﭐ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ا [الأحزاب:57]. وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة. وقد اختار ابن جرير عمومها، وهو الصحيح.

وقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ الآية عن أنس [مرفوعًا]: «...فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام عليك شهودًا. فيُخْتَم على فِيه، ويُقَال لأركانه: انطِقي، فتَنطِق بعمله، ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فعَنْكُنَّ كُنتُ أُناضل» [رواه مسلم]. وقال قتادة: ابنَ آدم، والله إن عليك لَشُهودًا غيرَ مُتَّهَمَة مِن بَدَنِك، فرَاقِبهم، واتَّقِ الله في سِرِّك وعلانيتك؛ فإنه لا يَخفَى عليه خافية، الظُّلمة عنده ضَوء، والسِّرُّ عنده علانية، فمن استطاع أن يَموتَ وهو بالله حَسَن الظَّنِّ، فَلْيَفْعَل، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ قال ابن عباس: أي: حسابهم. وكذا قال غير واحد. وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ أي: وَعْدُه ووعيده وحسابه هو العدل، الذي لا جَوْرَ فيه.

الآية (26): قال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. قال: ونزلت في عائشة وأهل الإفك. وهكذا رُوي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جُبَير وغيرهم. واختاره ابن جرير، ووجَّهَهُ بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نَسَبَه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ .

وقال عبد الرحمن بن زيد: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. وهذا -أيضًا- يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان الله ليجعل عائشة زوجةً لرسول الله إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طَيِّب من البَشَر، ولو كانت خبيثةً لَـمَا صَلُحَتْ له، لا شَرعًا ولا قَدَرًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ أي: هم بُعَداء عمَّا يقوله أهل الإفك والعدوان، ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي: بسبب ما قِيل فيهم من الكَذِب، ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي: عند الله في جنات النعيم. وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله في الجنة.

الآية (27): هذه آداب شرعية، أدَّبَ الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان؛ أمرهم ألَّا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا؛ أي: يستأذنوا قبل الدخول ويسلّموا بعده. وينبغي أن يستأذن ثلاثًا، فإن أُذِنَ له، وإلا انصرف، كما ثَبَتَ أن أبا موسى قال: سمعت النبي يقول: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يُؤذَن له، فلْيَنْصَرِف» [متفق عليه]. وقال مجاهد: ﴿ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا قال: تَنَحْنَحُوا أو تَنَخَّموا.

﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: الاستئذان خير لكم، بمعنى: هو خير للطرفين: لِلمُسْتَأذِن ولأهل البيت ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .