الآية (21): ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ﴾؟ أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: ﴿ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أي: فهو لا يُخالَف ولا يُمانَع، وإليه ترجعون. عن أنس بن مالك قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وتبسَّم، فقال: «ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟!» قالوا: يا رسول الله، من أي شيء ضحكت؟ قال: «عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة؛ يقول: أي ربي! أليس وعدتني ألّا تظلمني؟! قال: بلى، فيقول: فإني لا أقبل عليّ شاهدًا إلا من نفسي. فيقول الله تبارك وتعالى: أوَليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟! قال: فيردد هذا الكلام مرارًا». قال: «فيُختَم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحقًا، عنكُنّ كنت أجادل» [رواه مسلم].
الآية (22): ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ﴾ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تتكتّمون منا الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾.
الآية (23): ﴿ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ﴾ أي: هذا الظن الفاسد -وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون- هو الذي أتلَفكم وأرداكم عند ربكم ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم. [سبب النزول]: عن عبد الله[1] قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر: قرشي، وختَناه[2] ثقفيّان – أو: ثقفي وختَناه قُرشيان - كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئًا سمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [متفق عليه].
الآية (24): قوله: ﴿ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴾ أي: سواء عليهم أصبروا أم لم يصبروا هم في النار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارًا فما لهم أعذار، ولا تُقَال لهم عثرات. قال ابن جرير: ومعنى قوله: ﴿ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا ﴾ أي: يسألوا الرجعة إلى الدنيا، فلا جواب لهم، قال: وهذا كقوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴿١٠٦﴾ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴿١٠٧﴾ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ [المؤمنون:106- 108].
الآية (25): يذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله، بما قَيَّض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن: ﴿ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي: حَسَّنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف:36-37]. قوله: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ أي: كلمة العذاب كما حق على أُمم قد خلت من قبلهم، ممن فعل كفعلهم من الجن والإنس، ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴾ أي: استوَوا هم وإياهم في الخسار والدمار.
الآية (26): ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ ﴾ أي: تواصوا فيما بينهم ألا يطيعوا للقرآن، ولا ينقادوا لأوامره، ﴿ وَالْغَوْا فِيهِ ﴾ أي: إذا تُلي لا تستمعوا له. قال مجاهد: ﴿ وَالْغَوْا فِيهِ ﴾ يعني: بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله ﷺ إذا قرأ القرآن، قريش تفعله. وقال ابن عباس: عِيبوه. وقال قتادة: اجحدوا به، وأنكروه وعادوه. ﴿ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن. وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف:204].
الآية (27-28): قال تعالى منتصرًا للقرآن، ومنتقمًا ممن عاداه من أهل الكفران: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ أي: في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه، ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أي: بِشَرِّ أعمالهم وسيِّئ أفعالهم ﴿ ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾.
الآية (29): ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ﴾ قال سفيان الثوري عن علي في قوله: ﴿ اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا ﴾ قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. وقال السُّدي عنه: فإبليس يدعو به كل صاحب شرك، وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة، فإبليس هو الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه، وابن آدم الأول. كما ثبت في الحديث: «ما قُتلت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل» [متفق عليه]. قوله: ﴿ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ أي: أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذابًا منا؛ ولهذا قالوا: ﴿ لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ﴾ أي: في الدرك الأسفل من النار، كما تقدم في «الأعراف» من سؤال الأتباع من الله أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم، قال: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:38] أي: إنه تعالى قد أعطى كلًا منهم ما يستحقه من العذاب والنكال، بحسب عمله وإفساده؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ [النحل:88].