حجم الخط:

الآيات (21-30)

الآية (21-22): ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. وروي مثله عن أبي بن كعب، والحسن، ومجاهد، وقتادة. وعن أُبيّ بن كعب: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ قال: المصيبات والدخان قد مضيا، والبطشة واللزام واه مسلم موقوفًا بنحوه، وعند البخاري عن ابن مسعود نحوه]. وقال عبد الله بن مسعود أيضًا في رواية عنه: العذاب الأدنى: ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر. قال السُّدي: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو غَرموا، ومنهم من جُمع له الأمران. ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا أي: لا أظلم ممن ذكَّره الله بآياته وبيّنها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة: إياكم والإعراض عن ذكر الله؛ فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرّة، وأعوز أشد العَوَز، ولهذا قال تعالى متهددًا لمن فعل ذلك: ﴿ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام.

الآية (23): يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى عليه السلام أنه آتاه الكتاب وهو التوراة. ﴿ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء. [وعن] ابن عباس قال: قال رسول الله : «أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران؛ رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كأنه من رجال شنوءة... في آيات أراهن الله إياه» ﴿ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ أنه قد رأى موسى، ولقي موسى ليلة أسري به. [البيهقي في الدلائل، وأصله في البخاري]. قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ أي: الكتاب الذي آتيناه ﴿ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كما قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [الإسراء:2].

الآية (24-25): ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك نواهيه وزواجره، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ثم لما بدلوا وحَرّفوا وأوّلوا، سُلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عملًا صالحًا، ولا اعتقادًا صحيحًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا قال قتادة: لما صبروا عن الدنيا. وقال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إمامًا يُقتَدى به حتى يتحامى عن الدنيا. وقال بعض العلماء: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين. قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي: من الاعتقادات والأعمال.

الآية (26): يقول تعالى: أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية، بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر؛ ولهذا قال: ﴿ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ أي: وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين فلا يرون فيها أحدًا ممن كان يسكنها ويعمرها، ذهبوا منها؛ كما قال: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل:52]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ أي: إن في ذهاب أولئك القوم ودَمَارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبرًا ومواعظ ودلائل متظاهرة ﴿ أَفَلَا يَسْمَعُونَ أي: أخبار من تقدم، كيف كان أمرهم؟!

الآية (27): ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ يبين تعالى لطفه بخلقه، وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيحِ، وهو: ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته؛ ولهذا قال: ﴿ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ وهي التي لا نبات فيها؛ كما قال: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8]، أي: يبَسًا لا تنبت شيئًا. قال ابن عباس: قوله: ﴿ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ هي التي لا تُمطَر إلا مطرًا لا يغني عنها شيئًا، إلا ما يأتيها من السيول. وقال عكرمة وقتادة: الأرض الجرز: التي لا نبات فيها وهي مغبرة. قلت: وهذا كقوله: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿٣٣ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴿٣٤ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس:33-35].

الآية (28): يقول تعالى مخبرًا عن استعجال الكفار ووقوع بأس الله بهم، وحلول غضبه ونقمته عليهم، استبعادًا وتكذيبًا وعنادًا: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ أي: متى تُنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتًا تُدَال علينا، ويُنتقَم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين!

الآية (29): ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ أي: إذا حل بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى ﴿ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر:85]، ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتحُ مكة فقد أبعد النجْعة، وأخطأ فأفحش؛ فإن يوم الفتح قد قَبل رسولُ الله إسلام الطلقاء، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل؛ كقوله تعالى: ﴿ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:118].

الآية (30): ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي: أعرض عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنزل إليك من ربك، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد. ﴿ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي: أنت منتظر، وهم منتظرون، ويتربصون بكم الدوائر، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غِبَّ ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.