حجم الخط:

الآيات (22-31)

الآية (22): ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟! كقوله عز وجل: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]؛ ولهذا قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي: فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم ﴿ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ .

الآية (23): ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ قال مجاهد: يعني القرآن كله متشابه مثاني. وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف. وقال الضحاك: ﴿ مَثَانِيَ ترديد القول ليفهموا عن ربهم عز وجل. وقال عكرمة والحسن: ثنَّى الله فيه القضاء، زاد الحسن: تكون السورة فيها آية، وفي السورة الأخرى آية تشبهها. وقال ابن عباس: ﴿ مَثَانِيَ القرآن يشبه بعضه بعضًا، ويُرَد بعضه على بعض. وقال بعض العلماء: معنى قوله: ﴿ مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ أن سياقات القرآن تارةً تكونُ في معنى واحد، فهذا من المتشابه، وتارةً تكونُ بذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكصفة الجنة ثم صفة النار، وما أشبه هذا، فهذا من المثاني؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]، وكقوله ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7]، إلى أن قال: ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18]، ونحو هذا من السياقات، فهذا كله من المثاني، أي: في معنيين اثنين. وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضًا، فهو المتشابه، وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7]، ذلك معنى آخر. قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف. ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ لما يرجون ويُؤمِّلون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الكفار من وجوه: أحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نَغَمات لأبيات من أصوات القَيْنات. الثاني: أنهم إذا تُليت عليهم آيات الرحمن خرّوا سجدًا وبَكُيًا، بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم. الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم يكونوا يتصارخُون ولا يتكلّفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك. قوله: ﴿ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله.

الآية (24-26): ﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويُقَرَّعُ فيقال له ولأمثاله من الظالمين: ﴿ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ كمن يأتي آمنًا يوم القيامة؟! كما قال عز وجل: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر:48]، وقال تبارك وتعالى: ﴿ أَفَمَنْ يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فصلت:40]، واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر. قوله: ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ يعني: القرون الماضية المكذبة للرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق.

﴿ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفّي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك، فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء ، والذي أعده الله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظمُ مما أصابهم في الدنيا؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ .

الآية (27-29): ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: بيَّنَّا للناس فيه بضرب الأمثال، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فإن المثل يُقَرّب المعنى إلى الأذهان؛ كما قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الروم:28] أي: تعلمونه من أنفسكم.

﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما فيه من الوعد. ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، ﴿ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ أي: خالصًا لرجل لا يملكه أحد غيره، ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ؟! أي: لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المُخْلِص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له. فأين هذا من هذا؟! قال ابن عباس ومجاهد: هذه الآية ضُربت مثلًا للمشرك والمُخْلِص، ولما كان هذا المثلُ ظاهرًا بَيِّنًا جليًّا قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على إقامة الحجة عليهم، ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أي: فلهذا يشركون بالله.

الآية (30-31): ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق عند موت الرسول ، حتى تحقق الناس موته، مع قوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ الآية [آل عمران:144]. ومعنى هذه الآية: ستُنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المُخْلِصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثم إن هذه الآية - وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذِكْر الخصومة بينهم في الدار الآخرة - فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا؛ فإنه تُعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. قال ابن عباس: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهدي الضال، والضعيف المستكبر. وقال أبو العالية: يعني أهل القبلة. وقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر. والصحيح العموم، والله أعلم.