حجم الخط:

الآيات (225-230)

الآية (225): ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ أي: لا يُعاقبكم ولا يُلزمكم بما صَدَر منكم من الأَيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادةً من غير تعقيد ولا تأكيد، قالت عائشة: «هم القوم يتدارَؤون في الأمر، فيقول هذا: لا والله، وبلى والله، وكلا والله .. .لا تُعقَد عليه قلوبُهم».

﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ : قال ابن عباس: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب.

﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي: غفور لعباده، حليم عليهم.

الآية (226-227): الإيلاء: الحلف ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم. ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر مِن حين الحلف، ثم يُوقَف ويُطَالَب بالفَيئة أو الطلاق. ولهذا قال: ﴿ فَإِنْ فَاءُوا أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ : فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مُضِيّ الأربعة أشهر، والذي عليه الجمهور: أنه يُوقَفُ فَيُطَالَب إما بهذا أو هذا، ولا يقع عليها بمجرد مُضِيِّهَا طلاقٌ.

الآية (228): هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى للمُطلَّقات -المدخُول بهن من ذوات الأَقْراء- بأن يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء؛ ثم تتزوج إن شاءت. وقد اختلف السلفُ والخلَفُ في المراد بالأقْرَاء على قولين: أحدهما: أن المراد بها: الأطهار. والقول الثاني: أن المراد بالأقراء: الحِيَضُ، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: وتغتسل منها. وقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القُرْء يُراد به الحيض ويُراد به الطُّهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين. وقوله: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ أي: مِن حَبَلٍ أو حيض قاله ابن عباس وابن عمر وغير واحد. ﴿ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ تهديد لهن على قول خلاف الحق. ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يُعلَم إلا من جِهَتِهِنَّ، وتتعذر إقامة البيّنة غالبًا على ذلك، فَرُدَّ الأمر إليهن، وتُوُعِّدْنَ فيه، لئلا تُخبِر بغير الحق، من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ أي: وزوجها الذي طلَّقها أحقّ بِرِدَّتِهَا ما دامت في عِدَّتها، إذا كان مراده بِرِدَّتِهَا الإصلاح والخير. وهذا في الرجعيات. وقوله: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ أي: ولهُنَّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فلْيؤَدِّ كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. وقوله: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ أي: في الفضيلة في الخَلق والخُلُق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34].

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.

الآية (229-230): هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، مِن أنَّ الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدّة. فقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ أي: إذا طَلَّقْتَهَا واحدةً أو اثنتين، فأنت مُخَيَّر فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تَرُدَّها إليك ناويًا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فَتَبِيْنَ منك، وتُطْلِقَ سَرَاحَهَا مُحْسِنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تُضارّ بها.

وقوله: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا أي: لا يحل لكم أن تُضَاجِروهن وتضيّقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدِقَة أو ببعضه، فأما إنْ وهبَتْهُ المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4]، وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقُم المرأة بحقوق الرجل وأبغضَتْهُ ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حَرَج عليها في بَذْلِها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ ، فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد روى الإمام أحمد عن ثوبان قال: قال رسول الله : «أيُّما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

وقوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ أي: أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقةً ثالثةً بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أي: حتى يطأها زوجٌ آخر في نكاح صحيح، وعن عائشة قالت: دخلت امرأةُ رِفاعة القرَظي -وأنا وأبو بكر عند النبي - فقالت: إنَّ رفاعة طلَّقني الْبَتَّة، وإن عبد الرحمن بن الزَّبِير تزوجني، وإنما عنده مثل الْهُدْبَةِ، وأخذت هُدْبَة من جلبابها، فقال رسول الله : «كأنكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» [رواه البخاري]. والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عِشْرتها كما هو المشروع من التزويج، أما إذا كان قصده أن يُحِلَّهَا للأول، فهذا هو الْـمُحَلِّلُ الذي وردَت الأحاديث بِذَمِّه ولعنِه، فروى الإمام أحمد عن عبد الله [ابن مسعود] قال: «لعن رسول الله الْـمُحَلِّلَ وَالْـمُحَلَّلَ له». [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني].

وقوله: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا أي: المرأة والزوج الأول ﴿ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ أي: يتعاشرا بالمعروف، ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: شرائعه وأحكامه، ﴿ يُبَيِّنُهَا أي: يوضحها ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .