حجم الخط:

الآيات (23-29)

الآية (23): يقول تعالى مُنكِرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابَيْهِم اللَّذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دُعُوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد ، تولَّوا وهم معرضون عنهما. وهذا في غاية ما يكون مِن ذمِّهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد.

الآية (24): ثم قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ أي: إنما حملهم وجَرَّأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما. ثم قال: ﴿ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم مِن زعمِهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات، وهم الذين افترَوا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانًا.

الآية (25): قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شك في وقوعه وكونه، ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .

الآية (26): يقول تعالى: ﴿ قُلِ يا محمد، معظمًا لربك وشاكرًا له ومفوضًا إليه ومتوكلا عليه: ﴿ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ أي: لك الملك كله ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله وهذه الأمة؛ لأن الله حوَّل النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصَّه بخصائص لم يُعْطِهَا نبيًا من الأنبياء ولا رسولًا من الرسل، في العلم بالله وشريعته واطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه عن حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق، في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ الآية، أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في أمره، حيث قال: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]. قال الله تعالى ردًا عليهم:﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ الآية [الزخرف:32]، أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مُدافع، ولنا الحكمة والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124].

الآية (27): أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان. وهكذا في فصول السنة: ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاء. وقوله: ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ أي: تخرج الزرع من الحبة والحبَّة من الزرع، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء ﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ أي: تعطي من شئت من المال ما لا يَعدُّه ولا يقدر على إحصائه، وتقتّر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة.

الآية (28): نهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعّد على ذلك فقال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144] وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51]. وقوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات مِن شرّهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: «إنَّا لنكْشِر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم». وقال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان.

وكذا قال أبو العالية وغيره. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106].

ثم قال تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ أي: يحذركم نقمتَه في مخالفتِه، وسطوتَه في عذابِه، لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي: إليه المرجع والمنقلَب، فيجازي كل عامل بعمله.

الآية (29): يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل عِلمُه محيطٌ بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، وهو ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: قدرته نافذة في جميع ذلك. وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ أنْظَر مَن أَنْظَر منهم، فإنه يُمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر ولهذا قال بعدها: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا .